فهرس مقالات صوت العرب — Arab Voice Index
العدد 639 — ٢٥ نيسان ٢٠٠٩

القوى الأوروبية ساهمت في تأجيج العنف ضدّ المسيحيين السريان والأرمن وشجّعت على اضطهادهم ١

The European Powers Fueled the Violence against Syriac and Armenian Christians, Part 1
القصارى في نكبات النصارى — بقلم سليم مطر
Arab Voice * Vol.#15 * Issue # 639*April 25th2009 — صفحة 25
إعداد وتقديم / حنا عيسى توما / المؤسسة الأمريكية للدراسات السريانية e-mail : hannaissa@gmail.com ** www.syriacstudies.com
The column presents an essay by Iraqi writer Salim Matar occasioned by the republication of Father Ishaq Armalah's 1919 eyewitness book Al-Qusara fi Nakabat al-Nasara on the massacres of Syriacs in Upper Mesopotamia. Matar cites staggering casualty figures, mourns the near-erasure of a million-strong Syriac population, and blames deliberate post-war silence imposed by colonial powers.
نصّ منسوخ حرفياً عن صورة الجريدة كما طُبع. الكلمات المعلَّمة بـ ⟨؟⟩ غير واضحة في الأصل المطبوع.Transcribed verbatim from the newspaper scan. Words marked ⟨؟⟩ are unclear in the original print.

من أهم العوامل التي أدّت إلى ضعف حركاتنا الفكرية والسياسية وفشلنا بتحقيق مشاريعنا الكبرى المعروفة، أننا لم نهتم بدراسة تاريخ بلداننا. القديم منه والمعاصر والذي تتحمل مسؤولية هذا التقصير الكبير جميع نخبنا بأقسامها الحكومية والمعارضة. وما زاد في سوء الوضع أن هذا التجاهل التاريخي ظل مصحوبا بسيادة مفاهيم تاريخية "قومية عرقية" لا تعترف بخصوصياتنا الوطنية ووحدة هويتنا التاريخية والحضارية بل قسمت الشعب الواحد إلى "قوميات وأقليات قومية" لها "أصولها العرقية" وتواريخها المختلفة التي لا يجمعها أي مشترك وطني إلا "إرادة الاستعمار" بحشرنا في دولة "مصطنعة". كما علمتنا الطروحات القومية التقدمية السائدة حتى الآن.

لقد اخترنا كتاب "القصارى في نكبات النصارى" الحديث الصدور كمثال على مدى تقصيرنا بدراسة تاريخنا حتى القريب منه. رغم أن الطبعة الأولى لهذا الكتاب صدرت عام 1919 إلا أن في إعادة نشره الآن بطبعة جديدة فوائد كثيرة تتعلق مباشرة بالأوضاع السياسية الحالية والمشاريع الخاصة بمنطقة المشرق "العراقي-الشامي" وعموم منطقة الشرق الأوسط. إن الإطلاع على تفاصيل الأحداث المأساوية التي عانى منها السريان المسيحيون في منطقة أعالي الرافدين الخاضعة لتركيا حاليا له فائدة في تصحيح مواقفنا إزاء قضايا حالية عديدة منها:

أولاً - المسألة الكردية في العراق وتشعباتها في كلٍ من تركيا وكذلك سورية.

ثانياً - مسألة الوجود المسيحي التاريخي في منطقة المشرق وتداخله مع الصراعات السياسية والدولية الدائرة منذ القرن الماضي وحتى الآن.

ثالثاً - طموحات وادعاءات تركيا بالكثير من المناطق المرتبطة تاريخيا وسكانيا بالعراق وسورية. ادعاء تركيا بولاية الموصل. ثم ادعاء الحركات القومية الكردية بما يسمى بـ"كردستان الكبرى" التي تتضمن الكثير من المناطق العراقية والسورية. بالإضافة إلى مسألة أحقية سورية والعراق بالدفاع "الإنساني والثقافي" عن سكان منطقة أعالي الرافدين كردستان-تركيا من السريان والعرب. باعتبارهم أشقاء لنا في التاريخ والحضارة وأرض الرافدين.

لكي يتبين للقارئ مدى هول المذابح والتصفيات العرقية التي جرت في هذه المنطقة نسجل هنا بعض الأرقام الواردة في الكتاب:

حتى أوائل هذا القرن كان يسكن عموم منطقة أعالي الرافدين "كردستان تركيا حاليا" حوالي "مليون" سرياني لم يتبق منهم الآن غير أربعة آلاف نسمة بعد المذابح والتشريد والإجبار على تغيير الدين.

مدينة ديار بكر "آمد بالسريانية" كان يقطنها "35" ألف نسمة منهم 4130 كرديا. تم قتل 5394 سريانيا وتشريد الباقين أو إجبارهم على تغيير المعتقد بحيث أنها أصبحت الآن مدينة كردية خالصة.

منطقة جبال حكاري كان يقطنها حوالي 150 ألف سرياني "اثوري نسطوري" بعد المذابح التي كلفت حوالي عشرة آلاف قتيل. تم تشريد جميع السريان إلى أورميا⟨؟⟩ في إيران. وإلى روسيا. وإلى العراق. والآن هذه المنطقة كردية خالصة.

منطقة جزيرة ابن عمر كانت تقطنها 1250 عائلة سريانية لم يتبق منهم بعد المذابح غير خمسين فردا. وقد تحولت المنطقة الآن بكاملها إلى كردية.

نضيف إلى أنّ هذه المذابح. بالحقيقة كانت موجهة بالدرجة الأولى ضد الأرمن الذين كلفتهم حوالي المليون قتيل وتشريد المتبقين وإجبارهم على تغيير الدين بحيث تم تكريد وتتريك كامل منطقة أرمينيا التاريخية "حول بحيرة وان" والمتداخلة مع منطقة أعالي الرافدين والتي تعتبر الآن أيضا جزءا من كردستان تركيا.

تبقى الأهمية الأولى والمباشرة لهذا الكتاب قدرته على إيقاظ الذاكرة إزاء أحداث وفضائح لم تختلف كثيرا عما جرى للشعب الفلسطيني. بل في أحيان كثيرة تجاوزت مأساة فلسطين بحدة عنفها وتقتيلها ووحشيتها. المهم في الأمر، أن الشعب السرياني المسيحي الذي عانى هذه الفظائع ليس شعبا غريبا عنا نحن أبناء المشرق. وهو ليس فقط شعبا جارا تربطنا به علاقات إنسانية وتاريخية طويلة كما هو حال الشعب الأرمني مثلا. بل إن الشعب السرياني. ضمن كل المقاييس والأعراف الوطنية. هو جزء حقيقي من الشعبين العراقي والسوري ومن جميع النواحي الجغرافية والتاريخية والثقافية وحتى العرقية الأقوامية.

إن غياب أي ذكر لمعاناة هذا الشعب المظلوم من كتب التاريخ والتثقيف السياسي أمر يدعو للاستغراب والتساؤل؟ لكن العارف بحقيقة تاريخنا القديم والحديث يدرك أنه بمعظمه تاريخ مشوه فرضه علينا المستشرقون "وتلاميذهم" من أتباع المفاهيم "العرقية القومية السلفية" التي قطعت تاريخنا إلى قطع متناثرة ومزقت شعوبنا إلى "قوميات" متنافسة لا يجمعها أي جامع. بالنسبة للسريان مثلا. كما يبدو. أن السبب المباشر الذي جعل دولنا ونخبنا المثقفة والمسيئة⟨؟⟩ تتواطأ بممارسة الصمت والنسيان إزاء هذه الجريمة والمسؤولين عنها "من العثمانيين والاغواث⟨؟⟩ الأكراد". سبب هذا الصمت يكمن أساسا في خضوع دولنا ونخبنا. بعد الحرب العالمية الأولى. لتأثيرات وقرارات القوى الاستعمارية الإنكليزية والفرنسية التي سيطرت على المشرق.

إن المعاهدات التي عقدتها هذه القوى الاستعمارية مع الدولة التركية الأتاتوركية تضمنت قبل كل شيء الإتفاق على طي هذه الصفحة السوداء الخاصة بالكارثة التي لحقت بالسريان "وكذلك فيما يخص الأرمن".

على هذا الأساس تمّ التغييب التام لأي ذكر لهذه الجريمة من كتب التاريخ والخطاب السياسي ومن جميع البحوث والدراسات المتعلقة بتاريخ المنطقة الحديث. حتى الكتب والشهادات التي سبق وأن نشرها العديد من الغربيين. قد تم التعتيم عليها. إن دولنا ونخبنا قد تبنت سياسة الصمت والتعتيم هذه. من دون أن تدرك بأنها بالحقيقة ضد مصالحها. يضاف إلى هذا. الدور الحاسم للقوى الصهيونية التي ساهمت ولا زالت تساهم بعملية التعتيم هذه. لأن القضاء على الوجود المسيحي في المشرق أحد أهداف الصهيونية وإسرائيل.

أمّا بالنسبة لمنطقة "أعالي الرافدين" التي جرت فيها مأساة "السريان المسيحيين". فإن المتمعن في الخارطة الحالية التي تجمع كلا من سورية والعراق وتركيا. يلاحظ أن القسم الأعلى من الرافدين "دجلة والفرات" الجزء الممتد غرب العراق تابع لسورية. أما الجزء الأعلى فتابع الآن لتركيا حيث ينحدر النهران في منطقة أعالي الرافدين هذه والتي تسمى حاليا "جنوب شرق تركيا أو كردستان تركيا" بعد أن أصبحت رسمياً جزءاً من تركيا بعد الحرب العالمية الأولى.

وتحتوي منطقة أعالي الرافدين هذه على عدة مدن ومناطق تاريخية معروفة مثل طور عابدين وماردين والرها "أورفا حاليا" وحران ونصيبين وديار بكر "مديات". جميع هذه المدن والمناطق كانت. منذ فجر التاريخ وحتى الحرب العالمية الأولى. جزءا من حضارة وسكان الرافدين بقسمها العراقي والسوري خلال جميع العصور السومرية والآشورية البابلية والفارسية والعربية وحتى العثمانية. وتكمن الأهمية التاريخية الحضارية لهذه المنطقة. لأنها جغرافيا تعتبر مركز التقاء الأوطان الأساسية التي يتكون منها الشرق الأوسط: القفقاز. وأرمينيا. والأناضول. وإيران. والعراق. وسورية. ومن ضمن الفرضيات عن أصل "السومريين" انهم انحدروا من منطقة أعالي الرافدين هذا نحو جنوب العراق حيث كونوا دولهم وحضارتهم المعروفة.

ثم أنّ أهمية هذه المنطقة أنها لعبت دوراً حاسما في تكوين "الهوية المشرقية المشتركة". حيث شكلت مركز التقاء الحضارتين العراقية والكنعانية الشامية. إذ من خلال أعالي الرافدين ظلت عبر التاريخ الجماعات السامية "الشامية" وكذلك الجماعات القفقاسية - الأرمنية تنحدر من أعالي النهرين إلى باقي العراق حتى الجنوب. ونلاحظ مثلا أن اللغة الآرامية السريانية قد انطلقت من هذه المنطقة من الألف الأول قبل الميلاد لأنها تمكنت من الجمع بين اللغتين الشقيقتين الأكادية العراقية والكنعانية السورية. وقد تمكنت هذه اللغة الآرامية الجديدة أن تفرض نفسها وتصبح لغة الثقافة لجميع سكان المشرق لأنها تبنت الأبجدية الفينيقية السهلة التعليم بدل الكتابة المسمارية الشاقة المعقدة.

وهذه المنطقة أيضا. وبالذات مدينتي "الرها ونصيبين" قد لعبت دورا حاسما في تاريخ المسيحية لأنها منذ القرن الميلادي الأول أصبحت مركزا كنسيا وثقافيا فعالا لنشر المسيحية في باقي العراق والمشرق وعموم القفقاس وآسيا حتى، إيران وتركستان والهند والصين. ومع انتشار المسيحية تحولت لهجة هذه المنطقة إلى اللغة الفصحى السريانية لتصبح لغة جميع كنائس المشرق واللغة الثقافية الأولى للإمبراطورية الفارسية الساسانية. إن منطقة أعالي الرافدين هذه، في اغلب الأحيان. ارتبطت حضاريا ودينيا وإداريا بسورية. أكثر من العراق. كما هو الحال مثلا في العصور البيزنطية والأموية والعباسية والعثمانية. حيث تم ضمها إلى تركيا بعد الحرب العالمية الأولى. نلاحظ مثلا إن المسيحية التي انتشرت في هذه المنطقة كانت تابعة للكنيسة السورية السريانية (اليعقوبية) بينما الكنيسة العراقية "النسطورية - كنيسة بابل" تمركزت في أنحاء العراق الحالي "بالإضافة إلى الأهواز التابعة لإيران حاليا" مع المناطق المحاذية والتابعة لنينوى مثل منطقة جبال حكاري "في تركيا حاليا". وفي العصر العربي الإسلامي قدمت هذه المنطقة الكثير من النوابغ المعروفين خصوصا بعلمي الفلك والطب الموروث من علوم البابليين مثل ثابت بن قرة الحراني. وابنه سنان. ومحمد عبد الرحمن المارديني. وسبط المارديني. وكذلك أيوب الرهاي. وسرجيس الراسيعيني⟨؟⟩. وعشرات الأسماء التي لعبت دورا واضحا بازدهار الحضارة في بغداد.

يبدو أنه بعد الفتح الإسلامي وتكوين الإمبراطورية العربية بدأ سريان هذه المنطقة يعيشون إشكالية جديدة. بحكم الطبيعة المرتفعة والجبلية لهذه المنطقة. فلقد تمكن الجزء الأكبر من السكان من الحفاظ على ديانتهم ولغتهم السريانية. بعد تحول الأغلبية الساحقة من سكان المشرق إلى الإسلام والتعريب. وقد اعتبرت هذه المنطقة من "الثغور" أي الجبهة المواجهة للدولة البيزنطية المسيحية في الأناضول "تركيا الحالية". إن المذهب "الأرثوذكسي" السوري الذي ظل يعتنقه "سريان" هذه المنطقة قد ميزهم تماما عن المسيحية البيزنطية التي مارست القمع ضدهم منذ القرن الأول الميلادي. منذ القرن العاشر الميلادي حصل تحالف⟨؟⟩ بين القبائل الكردية القاطنة في المناطق الجبلية الكردية المحيطة والقبائل التركستانية القادمة توا من أواسط آسيا والمدعومة بالدولة العباسية وبالإمارات الإسلامية التي تأسست آنذاك. باسم مكافحة النفوذ المسيحي البيزنطي تمكنت القبائل التركستانية أن تمارس سيطرتها وانتشارها في هذه المناطق. على حساب السريان. ومرت عمليات "التكريد والتتريك" بفترات وموجات مختلفة في قسوتها ودرجة عنفها. لكن رغم ذلك فإنه حتى القرن الماضي ظل جزء مهم من السكان. قد يبلغ النصف. على مسيحيته السريانية منتشرين في الكثير من القرى والمدن. يضاف لهم أقليات أخرى مسيحية من الأرمن القادمين من منطقة أرمينيا المجاورة "حول بحيرة وان". أما النصف الباقي من سكان المنطقة فإنهم كانوا من المسلمين حيث أغلبيتهم من الأكراد مع وجود مهم للعرب وكذلك الأتراك.

يتبع العدد القادم

صورة الصفحة — القوى الأوروبية ساهمت في تأجيج العنف ضدّ المسيحيين السريان والأرمن وشجّعت على اضطهادهم ١

اضغط على الصورة لفتحها بالحجم الكامل

→ العدد 638: سَفَرْ بَرْلِكْ — المأساة الأرمنية - الس
العدد 640: القوى الأوروبية ساهمت في تأجيج العنف ضدّ ←