فهرس مقالات صوت العرب — Arab Voice Index
العدد 640 — ٢ أيار ٢٠٠٩

القوى الأوروبية ساهمت في تأجيج العنف ضدّ المسيحيين السريان والأرمن وشجّعت على اضطهادهم ٢

The European Powers Fueled the Violence against Syriac and Armenian Christians, Part 2
القصارى في نكبات النصارى 2 — بقلم سليم مطر
Arab Voice * Vol.#15 * Issue # 640*May 2nd2009
إعداد وتقديم / حنا عيسى توما / المؤسسة الأمريكية للدراسات السريانية — www.syriacstudies.com ** e-mail : hannaissa@gmail.com
Concluding Salim Matar's essay on Ishaq Armalah's eyewitness chronicle, this part argues that European powers and missionaries actively inflamed the violence before abandoning the victims, and recounts harrowing village massacres from the book. Matar draws a broader lesson: only a shared national identity that embraces religious and linguistic diversity can prevent such tragedies from recurring.
نصّ منسوخ حرفياً عن صورة الجريدة كما طُبع. الكلمات المعلَّمة بـ ⟨؟⟩ غير واضحة في الأصل المطبوع.Transcribed verbatim from the newspaper scan. Words marked ⟨؟⟩ are unclear in the original print.

منذ أواسط القرن الماضي بدأت الأخطار تحدق بالوجود المسيحي في منطقة أعالي الرافدين هذه وبالذات في أرمينيا المجاورة، إن عمليات التكريد والتتريك تضاعفت سرعة وعنفا، مع ازدياد انحلال الدولة العثمانية وتنامي دور القوى الأوروبية الروسية "المجاورة شمالا لأرمينيا الخاضعة لتركيا"، بالإضافة إلى القوى الغربية المتنافسة الإنكليزية والفرنسية والألمانية والأمريكية. والمشكلة إن أنشطة هذه القوى الغربية اتخذت صبغة دينية "مسيحية" من خلال البعثات التبشيرية الأرثوذكسية الروسية والكاثوليكية الفرنسية والبروتستانتية الإنكليزية والأمريكية. هكذا أصبحت هذه المنطقة كعادتها على مر التاريخ، ساحة صراع جنوبي⟨؟⟩ بين القوى المحلية والاستعمارية الكبرى: بريطانيا وفرنسا وروسيا وألمانيا، بالإضافة إلى الدولة العثمانية والقوى الإقطاعية الكردية والحركات القومية الاستقلالية الأرمنية والسريانية. هذا الوضع سهل للعثمانيين إضفاء الصبغة الدينية على الصراع وتشجيع الاغوات والعصابات الكردية لكي يتم اعتبار المسيحيين "السريان والأرمن" كبش الفداء الأمثل لممارسة طقوس الانتقام الدامي.

على عكس ما يتوقعه الكثيرون فإنّ هذه القوى "المسيحية" الأوروبية لم تلعب أي دور إيجابي أو حام للمسيحيين السريان والأرمن، بل هي قامت بالنقيض تماما، حيث ساهمت بصورة مباشرة وغير مباشرة في تأجيج حدة العنف وحتى دفع وتشجيع القوى الكردية والتركية من اجل زيادة قمعها ضد هؤلاء المسيحيين. هناك اعترافات وأدلة عديدة تثبت مثلا، أن رجال البعثات التبشيرية الكاثوليكية كانوا يدفعون لبعض الاغوات الأكراد من أجل الاعتداء على رجال الدين "الأرثوذكس والنساطرة" وإجبارهم على التخلي عن مذهبهم "الشرقي" واعتناق "الكاثوليكية". وهذا السلوك "المسيحي" الأوروبي إزاء الكنائس المسيحية الشرقية ليس جديدا، بل هو معروف وواضح لكل قارئ لتاريخ المسيحية منذ الرومان والبيزنطيين ومرورا بالحروب الصليبية حتى العصر الحالي.

إذن قامت الدول الأوروبية بالتنسيق مع بعثاتها التبشيرية بتوريط الأرمن خصوصا وكذلك السريان في مشاريع سياسية وصراعات فاشلة ضد الأتراك. ثم التخلي عنهم في اللحظات الحرجة من أجل الإبقاء على مصالحها مع الدولة العثمانية والقوى الإقطاعية الكردية.

تكمن قيمة كتاب "القصارى في نكبات النصارى" في إن مؤلفه "شاهد عيان" عاش الأحداث وسجلها ونقلها مباشرة من الذين عاشوها. إن الأب اسحق أرملة السرياني من مواليد المنطقة "1879" وتوفي عام 1954 في بيروت وهو بالإضافة إلى دوره ككاهن مثقف كبير ومؤلف العديد من الكتب عن تاريخ وثقافة السريان، بالعربية والسريانية. وفي هذا الكتاب يورد لنا المؤلف التفاصيل الحية والمؤلمة عن عمليات التقتيل والإبادة العرقية التي مارستها القوات التركية وعصابات الاغوات الأكراد ضد القرى والمدن السريانية. نطلع مثلا على ما جرى لقرية "السعدية" شرقي مدينة "ديار بكر". كان يقطن في هذه القرية ثلاثة آلاف سرياني مسيحي "مع بعض الأرمن". في يوم واحد هجمت العصابات الكردية ولم تبق من السكان غير ثلاثة أشخاص. حتى الناس الذين تمكنوا من الإحتماء في كنيسة القرية: "قام الأكراد والجنود وثقبوا سطح الكنيسة وصبوا عليهم البترول وأحرقوهم. إن روح الحقد التدميرية عندما تندلع تبرر وجودها بمختلف الحجج الواهية. ومنها الجهل بالتاريخ واللغة. مثلا. من هذه الحجج اللغوية يحدثنا المؤلف عن "دير عمر" المسيحي السرياني في منطقة طور عابدين. الطريف إن الأكراد والأتراك قد ادعوا أن هذا الدير، بما أنه يحمل اسمه "عمر" فإن ذلك يثبت بأنه كان مسجدا قد بني من قبل الخليفة "عمر بن الخطاب" (رض). بسبب هذا الجهل اللغوي لم يدرك الأكراد بأن تسمية "عومرو" بالسرياني تعني "الدير" أي بمعنى "المكان العامر". بسبب سوء الفهم هذا بالتسمية قامت مجموعة من الأكراد بالهجوم على الدير وقتلوا جميع الرهبان والقسان ومعهم سبعين من النصارى ولا زالوا يقيمون في الدير حتى الآن. ص ((75

إنّ بعض الوقائع والمآسي الواردة في الكتاب تذكرنا بممارسات مشابهة جرت في عصرنا الحديث في مختلف البلدان. ولم تكن بالضرورة موجهة ضدّ أناس يختلفون باللغة والدين، بل يمكن أن يكونوا من نفس اللغة والدين، مثلما هو حاصل الآن في الجزائر. إن "الدفاع عن الدين" تبدو حجة واهية من أجل تبرير الإنتقام والإغتصاب والإستحواذ: مثلا في قرية "القصور" السريانية جنوب مدينة "ماردين" هجم الاغوات الأكراد والعسكر الأتراك على السكان وفتكوا بهم، ولم يكتفوا بذلك، كما يخبرنا المؤلف بل: "إن شيوخ الأكراد ولا سيما الذين سرحوا لحيتهم⟨؟⟩ ورفشوها⟨؟⟩ كانوا ينتصبون على فم البئر وفي يمينهم الخبيثة الشفرة أو المدية فيقولون البسملة على كل فرد ويذبحونه ويهبطونه إلى قاع البئر. وأن رجلا وحشيا من القوم أقبل على عدة أطفال وصعد بهم إلى السطح وظل يقبض على قدمي واحد فواحد ويرميه كالمقلاع إلى الأسفل ويقول للطفل اذهب ارع السخلان وللطفلة اذهبي احرسي المقثاة. وفتك على هذا المنوال بخمسين طفلا وطفلة". ص ((110

إما خلق هوية وطنية تعترف بالتنوع. أو إبقاء المجتمع متخاصما توحده الحكومات المستبدة بالقمع

لكي لا يُساء فهم غايتنا من حديثنا عن هذا الكتاب وعن الوقائع المأساوية التي جرت لأشقائنا السريان في منطقة أعالي الرافدين "كردستان تركيا" حاليا، ولكي لا يستغل الحديث عن هذه الوقائع من أجل إطلاق الأحكام العنصرية والأوهام الحقودة ضد أشقائنا الأكراد وضد جيراننا وإخواننا الأتراك. الذين بالنسبة لنا يبقون مثل كل شعوب الأرض لهم مفاخرهم وإيجابياتهم ولهم عيوبهم وسقطاتهم. لهذا فإن قراءاتنا للوقائع المأساوية لهذا الكتاب تدفعنا إلى إيراد الملاحظات التالية:

أولاً يتوجب التأكيد على أنّ جرائم الإبادة العرقية والمذابح الأهلية هذه لم تجر في كل المناطق الكردية، بل جرت فقط في منطقة أعالي الرافدين التابعة حاليا لتركيا والمعروفة الآن بـ "كردستان تركيا". أي أن هذه الجرائم لم تكن حالة "عرقية قومية" تشمل كل مناطق الوجود الكردي العراقي، بدليل أنها لم تحدث في إيران. ثم أن هذه الممارسات الإجرامية لم تحدث أيضا في باقي مناطق تركيا وبالذات في استنبول حيث كان يعيش مئات الآلاف من المسيحيين اليونان والأرمن وغيرهم بجانب اخوتهم من المسلمين الأتراك. من هذا نقول إن هناك خصوصيات تاريخية وظروفا طارئة خاصة بهذه المنطقة قد أدت إلى قيام مثل هذه الجرائم. فلو أخذنا مثلا حالة المناطق الكردية العراقية، فإننا نلاحظ أن أكراد شمال العراق يشبهون باقي العراقيين من ناحية عدم تعويدهم على ممارسة الحروب الأهلية والعنف الشعبي المباشر ضد السكان الآخرين. يلاحظ أن جميع التمردات والحروب التي حصلت في المنطقة منذ القرن الماضي وحتى الآن ظلت تحدث بين الميليشيات المسلحة الكردية وجيش الحكومة المركزية في بغداد. في أكثر حالات اشتداد الصراع وكثرة الضحايا بين الحكومة الميليشيات لم يحدث أن فكر الأكراد بممارسة العنف الأهلي المباشر ضد السكان الآخرين من العرب والسريان المجاورين لهم. كذلك رغم وجود السكان الأكراد في كل أنحاء العراق وبالذات في العاصمة بغداد بجوار باقي العراقيين الناطقين بالعربية، رغم ذلك لم يحدث أبدا أن مورس العنف والتقتيل بين العرب والأكراد "كما يحدث في الهند عادة بين الطوائف المختلفة". وهذه الحالة مرتبطة بطبيعة عقلية سكان الرافدين الذين تعودوا منذ فجر التاريخ على تقبل الهجرات الأجنبية "السامية والآسيوية" التي لم تتوقف عن الاستقرار حول هذين النهرين الخصبين: دجلة والفرات. بالإضافة إلى الدور الحاسم والدائم الذي ظلت تلعبه الدولة المركزية "وطنية أم أجنبية" في تاريخ الرافدين بسبب الضرورات النهرية والبيئية والجغرافية. لهذا فان تاريخ الرافدين، رغم عنفه الدائم لم يعرف العنف الأهلي "سكان ضد سكان" بل كان دائما عنفا مقننا وحكوميا. إذن إن حالة انعدام العنف العنصري الأهلي إحدى خصال تاريخ العراق بكل تنوعاته الدينية والطائفية واللغوية.

أما منطقة أعالي الرافدين "كردستان تركيا حاليا" فإنها تختلف تقريبا عن باقي الرافدين، حيث تنتشر الهضاب والجبال التي تعزل كل منطقة وكل مجموعة سكانية عن سواها وتمنع التواصل والامتزاج. إن عدم التواصل هذا أدى إلى قلة الاختلاط بين السكان وخلق الجهل بالآخر وساعد على بروز الأوهام والإشاعات والأحقاد بين المجامع المتباعدة لغويا ودينيا. إن هذا الوضع الجغرافي الجبلي ساعد على أن يحتفظ سكان أعالي الرافدين "السريان المسيحيين" بخصوصيتهم الدينية واللغوية وأن يقاوموا عمليات الأسلمة والتعريب التي حدثت في باقي الرافدين وكذلك في سورية بعد الفتح العربي الإسلامي، حيث تحولت الأغلبية الساحقة من سكان المشرق "السريان المسيحيين" إلى الإسلام ونطقت العربية وصنعت الحضارة العربية الإسلامية في دمشق وبغداد.

إنّ هذا العامل الجغرافي لمنطقة أعالي الرافدين، وكثافة الوجود المسيحي السرياني المحاذي للوجود المسيحي الأرمني في منطقة أرمينيا "بحيرة وان" المجاورة والمتداخلة مع منطقة أعالي الرافدين بالإضافة إلى تدخلات القوى المحيطة، الإيرانية والروسية مع نشاطات البعثات الغربية. كل هذه العوامل ساعدت على توتير الأجواء وبث الأوهام والأحقاد لدى القبائل الكردية المجاورة التي تم استغلالها ودفعها من قبل السلطات العثمانية التي شجعت روح الحقد والرغبات الإستحواذية لدى الاغوات الأكراد ضد هؤلاء "الكفرة المسيحيين الأغنياء" عملاء روسيا والغرب، من أجل إبادتهم والإستيلاء على متلكاتهم وأراضيهم. نقول، أنه من أجل تجنب إصدار الأحكام العنصرية والعدائية ضد الأكراد والأتراك يتوجب الأخذ بعين الاعتبار الظروف التاريخية والجغرافية والسياسية التي أدت إلى هذه المذابح. لكن هذا لا يمنعنا طبعا من إدانتها وفضحها والتثقيف بها من أجل عدم تكررها⟨؟⟩ ومحاولة إصلاح تبعياتها الحالية. ولكي نخلق الأساس المعقول الذي يسمح لمختلف الشعوب والأديان والطوائف في المنطقة أن تعيش بسلام وأمان وأخوة.

ثانيا إنّ الدرس الآخر الذي نتعلمه من إطلاعنا على هذه المأساة يتعلق بمسؤولية النخب الثقافية والسياسية في قيادة شعوبها، إما نحو العنف والتدمير الذاتي أو نحو السلام والإستقرار والتقدم. يبدو أن لوثات العنف التي تصيب الشعوب تتأتى أساسا من حالة الكبت وتراكم المعاناة وديمومة الإنمساخ⟨؟⟩ طيلة عقود، تبعا لدور النخب الفاعلة "الدينية والثقافية والسياسية" التي تؤثر في الشعب وتحدد ميوله وسلوكه فإن هناك إمكانيتين لكي يقوم الشعب بتفريغ هذا العنف المكبوت والمتراكم. إما أن تنجح هذه النخب القائدة ببث الوعي في الشعب وتوجه حقده ضد المسببين الأساسيين للمعاناة، أي ضد الطغاة الحاكمين سواء المستعمرين الأجانب أو الحكام "الوطنيين" فتندلع الثورة "سلمية أو عنفية" من أجل التخلص من الظلم وإحلال البديل الأفضل. وهناك ما لا يحصى من الحالات المعروفة في التاريخ. أو أن تكون النخب القائدة ضعيفة ومزقة ومسوخة من قبل الطبقة الحاكمة "أجنبية أو وطنية". فعندئذ يتمكن "الرعاع" والأشقياء والممسوخون وبالتنسيق مع الطبقة الحاكمة بقيادة "وعي" الشعب والتمكّن من جعل حقده المتراكم يتوجه نحو عدو وهمي، إما أن يكون "عدوا خارجيا"، مثل دولة جارة، حيث تندلع الحروب ضد هذا الشعب "العدو" بحجج واهية أغلبها تتحول إلى الحدود "المغتصبة". أو أن يوجه هذا الحقد ضد "عدو داخلي" يتمثل عادة بجماعة مختلفة سياسيا أو دينيا أو لغويا. وهذا السبب الأول للحروب الداخلية والأهلية التي حدثت في جميع الأوطان والأزمات. ولنا أمثلة كثيرة منها الهتلرية التي تمكنت خلالها الطبقة الحاكمة من استغلال معاناة الألمان من العطالة والمجاعة وإذلال الدول الأوروبية وتوجيه الحقد ضد أعداء وهميين مثل اليهود والبلاشفة والسيلاف. ولنا أمثلة أخرى كثيرة عن الحروب الأهلية المعروفة مثال لبنان أو أفغانستان، وغيرها الكثير وهذا ما حدث بالضبط بالنسبة للأكراد في أعالي الرافدين حيث وجهوا حقدهم المتراكم إزاء الدولة العثمانية، ضد أشقيائهم المسيحيين السريان وكذلك ضد الأرمن بدرجة أكبر بسبب كثرة عددهم وشدة حركاتهم الاستقلالية. إن المأساة التي عاشها السريان جعلنا ندرك ضرورة خلق وعي تاريخي وطني لدى جميع أبناء الوطن، مهما اختلفوا دينيا أو لغويا أو مذهبيا، بأنهم جميعهم يشتركون بأرض الوطن بكل ما تحمله من تاريخ وحضارات وأديان. من دون خلق هوية وطنية مشتركة قائمة على شعور صادق وأصيل بأن جميع تنوعات الوطن تشترك بالتساوي في خلق تاريخ الوطن وحضاراته المثالي، فإنه من المستحيل الحديث عن إمكانيات العيش المشترك بين التنوعات الدينية واللغوية المختلفة. ما دامت كل جماعة تعتقد بأن لها "قوميتها" الخاصة وجماهيرها وأحلامها ومشاريعها "القومية الكبرى" المختلفة فإنه من المستحيل الحديث عن السلام والأمان والديمقراطية والاستقرار. إن ديمومة الصراعات والحروب الأهلية والسلطات الإستبدادية في بلداننا متأت أولا وأخيرا من فقدان هذه الهوية الوطنية التاريخية المشتركة. إن الخطيئة الكبرى التي وقعت فيها جميع التيارات الفكرية والأحزاب السياسية في منطقة المشرق وعموم العالم العربي تكمن في تجاهل أهمية خلق "الهوية الوطنية" الخاصة بكل بلد والضياع في خطابات مستوردة وجاهزة دينية وعلمانية عن الطموحات القومية وحق تقرير المصير والدفاع عن المصالح الطبقية والتعددية الديمقراطية، مع الدعوات الفنتازية عن الوحدة القومية أو الدينية الكبرى، على حساب الوحدة الوطنية الواقعة والمعقولة. كمن يدعو إلى التوحد مع أبناء عمومته وأصدقائه وجيرانه في الوقت الذي يمارس فيه سياسة تشتيت أبنائه وأشقائه. لو أخذنا مثال العراق، لو فكرت حكوماتنا ونخبنا الفاعلة منذ أجيال، أنه قبل الحديث عن الحقوق القومية وحق تقرير المصير والوحدة القومية الكبرى وغيرها من الشعارات الجاهزة المستوردة. أن تُعلّم المواطن العراقي حقيقة تاريخه وتفاصيل خصوصيات الفئات التي يتكون منها الشعب العراقي، عندما يتعلم ويشعر الكردي والتركماني والسرياني، وكذلك السني والشيعي، بما أنه ينتمي لأرض العراق فان تاريخ العراق منذ إن وجد الإنسان وحتى الآن هو تاريخه حقا وحقيقة. وأن أسلافه بمختلف تسمياتهم وأديانهم ولغاتهم، قد ساهموا في صنع جميع المراحل الحضارية لهذا البلد. وأن جميع الفئات العراقية الدينية واللغوية والمذهبية تشكل بمجموعها تاريخ العراق وثقافته وكينونته. أن يغدو حقا قانونيا معترفا به بأن قيادة الدولة والمجتمع ليس حكرا على أية فئة. ومن حق جميع العراقيين بمختلف تنوعاتهم الاشتراك بإدارة الدولة والمجتمع. وأن رئيس الدولة أو وزير الدفاع أو أي مسؤول كبير، يكفيه أن يكون عراقيا وطنيا، سواء إن كان شيعيا أو كرديا أو سريانيا أو تركمانيا أو يزيديا. أن يتعلم المواطن في كتب التاريخ المدرسية بأن الحضارة العربية الإسلامية في العراق ليست "فقط" من صنع أبناء القومية العربية المنتمين عرقيا وقبائليا وتاريخيا إلى عرب الجزيرة العربية"!! بل أن هذه الحضارة العربية الإسلامية التي ازدهرت في بغداد هي أولا حضارة عراقية وهي نتجة⟨؟⟩ طبيعية للحضارات التي انبثقت في أرض العراق وأن جميع الفئات العراقية الحالية قد ساهمت بصنعها. أن يتم تعميم المعرفة والتثقيف بالخصوصيات الثقافية والدينية للفئات المختلفة. بحيث يغدو من الطبيعي جدا أن يشاهد الكردي والتركماني والسرياني بأن أغانيهم وميراثهم وأعيادهم ليست محصورة داخل الفئة بل هي منتشرة ومعروفة بنفس الدرجة من باقي العراقيين الناطقين بالعربية حيث يجري الإحتفاء بها وتداولها في وسائل الإعلام والثقافة والمسرح والسينما مثل كل المناسبات والنتاجات الوطنية. نقول بعد كل هذا سوف لن تشعر أية فئة بأنها "قومية أو أقلية قومية أو دينية أو مذهبية" متميزة ومضطهدة من قبل "القومية الكبرى" بل سوف يشعر الجميع حقا بأنهم عراقيون مهما اختلفت خصوصياتهم. حينها سيغدو من الغريب أن يتجرأ أحد على المطالبة بالحكم الذاتي أو الإستقلال أو حق تقرير المصير أو تحقيق مشروع "الأمة الفلانية الكبرى". حتى اللغة العربية لو يتم طرحها على أنها لغة الوطن الرسمية السائدة التي منحها لنا التاريخ وتكلمها أسلافنا منذ قرون طويلة وأنها لا تمثل أبدا "لغة قومية أبدعها أسلافنا العرب نحن أبناء الأمة العربية المجيدة .. الخ". حينها سوف لن تشعر أية فئة بأن هذه اللغة العربية مناقضة "قوميا" للغتهم الأم. بل هي لغتهم هم أيضا لأنها لغة بلدهم وميراثهم الثقافي الوطني. بالإضافة إلى أنها لغة غنية وكبرى تجمعهم مع عشرات الشعوب العربية والمسلمة. حتى هدف "الوحدة العربية" سوف يكون مقبولا من جميع الفئات الوطنية المختلفة لو شعرت بأنه هدف يجمع بلدها مع البلدان العربية الأخرى لغايات اقتصادية وثقافية واستراتيجية، من دون هلوسات توسعية قومية وتدخلات مؤامراتية تهدف إلى تحقيق "الرسالة الخالدة"! بل هو تقارب وتضامن واقعي عقلاني وديمقراطي على غرار تجربة الوحدة الأوروبية. هذه الإشكالية العراقية يمكن إن تكون مثالا على الإشكاليات التي تعاني منها جميع الأوطان العربية بدرجات مختلفة الحدة والتعقيد وخصوصا التي تتميز بالتنوع الديني والمذهبي واللغوي مثل سورية ولبنان ومصر والسودان والجزائر والمغرب. إن تجارب تاريخنا الحديث وخيباته وكوارثه الحالية تفرض على مثقفينا وسياستنا في العالم العربي وفي المشرق العراقي الشامي بالذات، أن يعلنوا⟨؟⟩ طروحاتهم القومية الرومانتيكية التعسفية ويمنحوها البعد الوطني الأرضي الواقعي التاريخي المغيب منذ أجيال عديدة وحتى الآن. وهذا الطرح الوطني هو وحده الكفيل بأن يضم تحت رايته جميع الطروحات الفكرية والسياسية المختلفة، دينية أو يسارية أو ليبرالية. ويخلق الأساس الصلب لوحدة جميع الفئات في داخل الوطن الواحد. من دون خلق هوية وطنية تعترف وتعرف بالتنوع والخصوصية وتشعر الجميع بإنتمائهم الأصيل للوطن أرضه وتاريخه. وسوف نظل إلى الأبد متفرقين متخاصمين لا تجمعنا غير الحكومات المستبدة التي توحدنا وتقودنا بالقمع والتجويع والإذلال نحو كوارث حروبها الداخلية والدولية.

صورة الصفحة — القوى الأوروبية ساهمت في تأجيج العنف ضدّ المسيحيين السريان والأرمن وشجّعت على اضطهادهم ٢

اضغط على الصورة لفتحها بالحجم الكامل

→ العدد 639: القوى الأوروبية ساهمت في تأجيج العنف ضدّ