فهرس مقالات صوت العرب — Arab Voice Index
العدد 631 — ٢٨ شباط ٢٠٠٩

"العلاقات الجوهرية بين اللغتين العربية والآرامية" السريانية في النواحي التاريخية والفنية واللغوية والأدبية ١

The Essential Relations between Arabic and Aramaic (Syriac), Part 1
Arab Voice * Vol.#15 * Issue # 631*Feb. 28th2009 — صفحة 25
إعداد وتقديم / حنا عيسى توما / المؤسسة الأمريكية للدراسات السريانية ** e-mail : hannaissa@gmail.com ** www.syriacstudies.com
Opening installment of a study, prepared by Hanna Issa Touma, on the deep kinship between Arabic and Aramaic (Syriac) in history, art, language, and literature. It argues that Syriac scholars such as Jacob of Edessa used the term Semitic languages centuries before European orientalists, then surveys who the Semites were and the competing theories about their original homeland.
نصّ منسوخ حرفياً عن صورة الجريدة كما طُبع. الكلمات المعلَّمة بـ ⟨؟⟩ غير واضحة في الأصل المطبوع.Transcribed verbatim from the newspaper scan. Words marked ⟨؟⟩ are unclear in the original print.

مقدمة

ان مجرد نظرة بسيطة الى ما يحويه هذا البحث من النقاط الهامة وقلة المصادر الأساسية التي تبلغ بالباحث الى كنه المواضيع الدقيقة المنحصرة فيه ، تدل دلالة واضحة على ما فيه من الوعورة والتعقيد . اذ ليس من السهل التطلع الى أمور تاريخية في هذه الأهمية والخروج منها بنتائج صائبة ، وما زال البحث فيها ضمن الترجيح وأحياناً في نطاق التخمين . ولكننا بعد الاتكال على الله نحاول هذه المحاولة وان كانت محاولة جريئة بحد ذاتها ، الا أنها - اذا تكللت بالنجاح - ستضع أموراً كثيرة في هذا المضمار أمام الباحثين علهم يتوصلون الى بعض الحقائق التي لم يبت بها الى الآن في ميدان فسيحة أرجاؤه ، بعيدة آفاقه ، مترامية أطرافه ، نظير هذا الميدان.

والعلاقات التاريخية بين هاتين اللغتين الشقيقتين ، قدية⟨؟⟩ كقدم انبثاقهما من اللغة الأم ، وليس من السهل الإحاطة بكل تلك العلاقات ، وقد أرخى الزمن على معظمها سدول الابهام ، وغطى بعضها الآخر بخمار الظلام ، الا أننا سنلقي نظراتنا الى هذه العلاقات منذ فجرها ، ونحاول اظهار تطورها في العصور المتتالية وان كانت مصادرنا ضئيلة في هذا المضمار ، أما العلاقات اللغوية ، فنجدها اكثر وضوحاً وأقرب مثالاً من الأولى لتيسر المادة اللغوية أمامنا بعد دراسة دقيقة لهذه المادة في اللغتين ، وعليه يمكن الخروج بحقائق واضحة قد يستفيد منها الباحثون في هذه الناحية . والوجهة الأدبية في علاقة اللغتين الشقيقتين ، هي الوجهة الجميلة المشرقة لأنها تتصل بصميم الحياة المثلى فيهما . والمرور في هذه الخمائل العابقة بعبير الشعر والأدب الحي ، هو لدينا كالمرور في جنة غناء تجري من تحتها الانهار .

أما الوجهة الفنية ، فانها وجهة الجمال الحي المتصل بالذوق الفني ، وهي أساس أول لسير اللغتين في اتجاه واحد ، من الينبوع الأول الى المحبة الأخيرة ، وليس الفن الا أساساً للذوق السليم والشعر الجميل ، والأدب الرفيع ، والتاريخ الصحيح .

فنطاق البحث اذاً يتصل بكل هذه الأهداف الهامة ، ويشمل كل هذا الفضاء العلمي الواسع . فالى ذلك أيها القارىء الكريم ، وقبل ان نضع على بساط البحث أي شيء من هذه النقاط الأربع يجدر بنا ان نلقي بعض النظرات الى اللغة السامية الأم ، لأن ذلك يتصل بصميم بحثنا ، ولأنه لا يمكن ولوج أبواب هذا البحث الدقيق دون العودة الى الينبوع الأول والمصدر الأصلي لهاتين الشقيقتين الكريمتين.

التسمية السامية - من هم الساميون ؟ وأين كان موطنهم الأصلي ؟ - اللغة السامية الأم

التسمية السامية

ادعت دائرة المعارف البريطانية أن أول من أستعمل كلمة " اللغات السامية " لهذه المجموعة من لغات الشرق الأوسط هو شلوتسر Shlotser في بحوثه التاريخية سنة 1781 . وجاراها في هذا الادعاء اسرائيل ولفنسون في كتابه " تاريخ اللغات السامية " ثم سرى هذا الزعم عند علماء المشرقيات . ولكن المصادر السريانية تدحض هذا الزعم وتؤيد أن هذه التسمية قديمة جداً يرتقي تاريخها الى ما قبل القرن السابع الميلادي

وأول عالم سرياني أطلق هذه التسمية على مجموعة اللغات الشرقية هذه هو يعقوب الرهاوي المتوفى سنة 708 م . وجرى العلماء السريان على أثر الرهاوي فاستعملوا هذا الاصطلاح قبل " شلوتسر " بقرون كثيرة منهم المؤرح السرياني الرهاوي المجهول في القرن الثاني عشر وابن العبري في القرن الثالث عشر . فيكون الزعم بأن شلوتسر أول من استعمل هذا الاصطلاح بعيداً عن الصحة لأن العلماء السريان سبقوه الى ذلك بعدة قرون ، ولكن ما يؤسف له أن هذه اللغات ما زالت بلغتها السريانية بعيدة عن أعين الباحثين المعاصرين

ثانياً - من هم الساميون ؟ وأين كان موطنهم الأصلي ؟

هذان سؤالان لا بد من الاجابة عنهما قبل البلوغ الى حديث اللغة الأم ، واليك ذلك

الساميون هم سلالة سام ابن نوح حسبما جاء في سفر التكوين ، فعنه استقى العلماء هذه التسمية فأطلقوها على الأمم المنحدرة من تلك السلالة العظمى ، وهي تشمل أمماً شرقية كثيرة عرفها التاريخ بحضارتها القدمى ، وغزواتها الموفقة ، ودولها الكبرى في هذا الشرق كله ، وذلك منذ أقدم العصور.

أما موطنها الاصلي يوم كانت أمة واحدة فقد اختلف فيه الباحثون أيضاً اختلافاً شديداً ، ومن هذا الاختلاف نستطيع بلوغ الحقيقة الكبرى التي يجب اعلانها بجرأة وصراحة

وللعلماء في هذا الموضوع ثلاثة مذاهب : الأول يدعي أن الموطن الاصلي للساميين هو أرض بابل ، ويدعي الثاني أنه هضبة أرمينيا ، ويذهب الثالث الى أنها الجزيرة العربية . ان هذه المذاهب الثلاثة لم تسلم الى الآن من النقص ، ولم يتفق العلماء على واحد منها لوجود أدلة تخمينية لكل منها . الأمر الذي يجعلها جميعاً في حيز الظن والتخمين من جهة ، ولمحاولتها اصدار الأمم السامية الكبرى من بقعة واحدة ضيقة ، كأرض بابل أو هضاب ارمينيا ، او الجزيرة العربية من جهة ثانية

واذا كانت كل هذه الآراء عرضة للنقد من أصحاب الرأي الآخر ، لعدم اتفاق العلماء عليها اتفاقاً تاماً ، لا بد من إيجاد رأي آخر يوضع على بساط البحث ، عله يلقي ضوءاً ولو ضئيلاً على هذه الناحية المظلمة ، واذا كان نصيبه نصيب الآراء السابقة فلننتظر مرة أخرى ، ريثما تظهر الكشوف الأثرية الحقيقة التاريخية الناصعة التي نوردها

ويكفي الآن أن نقول ان الأمم السامية رأيناها منتشرة في بقاع كثيرة في هذا الشرق منذ أقدم العصور التاريخية ، وقد أشبع المؤرخون السريان هذه الناحية درساً وتحقيقاً ، وقرروا ان نطاق المنبت السامي كان أوسع جداً مما عينه علماء الاستشراق ، بل ربما يشمل جميع المناطق التي ذكروها مجتمعة ، وقد أكد هؤلاء العلماء أن موطن الأمم السامية كان يمتد من حدود مصر والبحر الأحمر ، وشاطىء فينيقية وسورية ، ويشمل بلاد فلسطين وفينيقية وسورية والجزيرة العربية وما بين النهرين وآثور وأرض شنعار وبابل وحدود فارس وما يحيط بها والهند وما اليها .

وربما نفكر ان هذه المنطقة واسعة جداً لا يمكن ان تكون ( منبتاً ) لأمة واحدة كالأمة السامية . غير أن واقع الحال يؤيد ذلك ، لأن الأكتشافات دلت على أن كل هذه المناطق الواسعة وطأتها أقدام الساميين منذ أقدم العضور ، متنقلين من ربع الى آخر ذهاباً واياباً ، وليس بحسب الموجات التي افترض العلماء تدفقها من بقعة واحدة من هذه البقاع

والشيء الذي أدى بعلماء الاستشراق الى الظن بأن الساميين وردوا إما من هضاب أرمينيا ، أو بلاد بابل ، أو من جزيرة العرب ، هو وجود آثار أقدامهم في كل هذه المناطق متنقلين لا يقر لهم قرار ، وهذا التنقل أدى الى انقسامهم فرقاً وقبائل وأفخاذاً ، اتخذت كل فرقة اسماً خاصاً طبقاً لنمط حياتها ، والتفرق هذا أدى الى تكتلات قبلية من جهة ، والى اختلاف اللهجات واستقلالها بمثابة لغات خاصة من جهة ثانية ، على ما سنرى عند تعريف كلمة ( العرب ) ومعنى كلمة ( آرام )

واذا القينا نظرة شاملة الى هذه المناطق الواسعة ، لا بد لنا من تعيين " قلب " لها جميعاً يمكن أن يكون بمثابة الينبوع الأصيل لتدفق هذه السيول البشرية الجارفة ، وانتشارها وتنقلها في هذه الأرض الواسعة . ويجب أن يكون هذا " القلب " النابض مهبط أول مدنية بشرية في هذا المحيط . وقد دلت الاكتشافات الأخيرة على أن أول مدنية رآها التاريخ نشأت في سهل شنعار وشملت القسم الشمالي للجزيرة العربية وامتدت بعد ذلك الى بقية المناطق المجاورة

ويجدر بنا بعد الآن النظر الى هذه الآراء الثلاثة الماضية مجتمعة لنكون منها رأياً واحداً صائباً . فاذا سلمنا بالرأي القائل ان المدنية نبتت في أرض شنعار ومنطقة بابل ، نسلم حتماً بأن المدنية تفرض حياة ناعمة موفقة للأشخاص والأسر والجماعات ، لما تجنيه من الخير واليسر والرفاهة بالزراعة والتجارة والثقافة . الأمر الذي يجذب اليه البدو رويداً فيصبغهم بصبغة الحضارة والمدينة بصورة تدريجية . فيجتمعون من كل صوب الى مهد الحضارة ليرفعوا مستواهم المعاشي من حالة البداوة الى حالة الحضارة والاستقرار

ونحن نرى هؤلاء البدو يتجمعون من كل صوب الى مهد الحضارة بشكل غزاة يريدون مقاسمة اخوانهم المتحضرين خيرات الأرض ، ونتائج الأعمال المجدية ، فتنشب بينهم وبين الحضر حروب تنتهي بغلبة المهاجمين تارة ، والمدافعين طوراً ، وهذا ما حدث فعلاً على مسرح هذه المناطق في جمع مراحل التاريخ

واذا افترضنا أن الساميين انتشروا بسرعة في كل المناطق المذكورة في رأي العلماء السريان من جهة ، ورأي المكتشفات الأثرية التي تجعل منطقة بابل مهداً للحضارة من جهة ثانية . نسلم حتماً بأن القبائل السامية المتبدية أغراها نمط الحياة الناعمة التي كان يعيشها اخوانهم الحضر تحت ظل الحضارة والمدنية . فتجمعوا من كل صواب ليقاسموا اخوانهم تلك الحياة الناعمة . فرآهم العلماء بصورة موجات غازية يندفعون كالزوبعة الى مركز الحضارة . ويستولون عليه ويتخلقون بأخلاق أهليه . ويتخذون نمط حياتهم نبراساً للحياة المستقرة الجديدة . وقد جاء بعض هؤلاء البدو الغزاة من قلب الجزيرة العربية ، وبعضهم هبط من الحدود الشمالية . وهدفهم جميعاً مهد الحضارة والمدنية في أرض شنعار ومنطقة بابل ، وهذا ما حدا العلماء على أن يعدوهم موجات صادرة من المناطق التي عاشوا فيها مدة من الزمن ، وبالتالي أن يجعل كل فريق الناحية التي اندفعت منها هذه القبائل موطناً أصلياً لها . بينما نجد الأمر ليس كذلك بل انهم أبناء أرومة واحدة انتشروا اولا في طول هذه المناطق وعرضها بالنسبة الى أساليب حياتهم ، ثم عادوا فتجمعوا حول هذه المنطقة المتحضرة للأسباب التي شرحناها الآن . فتكون والحالة هذه منطقة الأمة السامية واسعة جداً تجمع بين جميع المناطق التي ذكرها المستشرقون كمصادر للقبائل السامية المتفرقة . ونحن لا ندعي ان هذا الرأي هو القول الفصل في هذه القضية التاريخية الهامة ، بل نقول انه تعديل للآراء السابقة المتناقضة ، ولا سيما ان اسناداً تاريخية واجتماعية تؤيده

صورة الصفحة — "العلاقات الجوهرية بين اللغتين العربية والآرامية" السريانية في النواحي التاريخية والفنية واللغوية والأدبية ١

اضغط على الصورة لفتحها بالحجم الكامل

→ العدد 630: الآراميون ٤
العدد 632: "العلاقات الجوهرية بين اللغتين العربية و ←