فهرس مقالات صوت العرب — Arab Voice Index
العدد 632 — ٧ آذار ٢٠٠٩

"العلاقات الجوهرية بين اللغتين العربية والآرامية " السريانية في النواحي التاريخية والفنية واللغوية والأدبية ٢

The Essential Relations between Arabic and Aramaic (Syriac), Part 2
Arab Voice * Vol.#15 * Issue # 632*March 7th2009 — صفحة 25
إعداد وتقديم / حنا عيسى توما / المؤسسة الأمريكية للدراسات السريانية ** www.syriacstudies.com ** e-mail : hannaissa@gmail.com
This installment reconstructs the Semitic mother language from vocabulary shared across its descendants, then asks who the Arabs and Arameans were. It traces the etymologies of Arab (desert dwellers) and Aram (the highlands), and follows the earliest mentions of both peoples in cuneiform records, the Behistun inscription, and the Bible, concluding the two peoples existed side by side from remote antiquity.
نصّ منسوخ حرفياً عن صورة الجريدة كما طُبع. الكلمات المعلَّمة بـ ⟨؟⟩ غير واضحة في الأصل المطبوع.Transcribed verbatim from the newspaper scan. Words marked ⟨؟⟩ are unclear in the original print.

ثالثاً - اللغة السامية الأم

عاشت اللغة السامية الأم في العصور التي سبقت التاريخ البشري ، وانتشرت مع أهليها في جميع المناطق التي كانوا يرتادونها منذ أبعد الزمان ، وعندما ولد التاريخ وترعرع فتح عينيه على محيا بناتها اللواتي أصبحن كأعضاء لتلك الأرومة الشيخة

يستفاد من بحوث العلماء في هذا الموضوع أن اللغة السامية كانت قليلة المفردات ليس فيها الا ما يكفي الحياة البدائية ، ولم تكن بها حاجة الى جمال التعبير ، وتنميق الألفاظ والعبارات ، ما يشبه تماماً بعض اللغات البدائية في زمننا الحاضر

واذا أردنا معرفة ما كانت عليه هذه اللغة ، فعلينا ان نلقي نظرنا الى الكلمات المشتركة المبثوثة⟨؟⟩ في اللغات السامية التاريخية والحديثة ، فمنها نستطيع تأليف فكرة ولو بسيطة عن كيفية النطق باللغة الأم ، فقد تتفق اللغات السامية - وهي فروع للغة الأم - بامور لغوية كالضمائر والعدد وأسماء أعضاء الجسم والألفاظ اللازمة لحياة الانسان المادية البدائية ، مثل البيت والجمل والكلب والحمار والماء ، وأما بعض الأشياء التي يراها الانسان دائماً كالسماء والأرض الى ما هنالك من الألفاظ المشتركة مما يطلعنا على شيء من أساليب هذه اللغة من جهة ، ويؤيد أن هذه الألفاظ قديمة العهد جداً من جهة ثانية . وهنالك كلمات أخرى تشترك فيها هذه اللغات وهي الدالة على العمران والحيوان والنبات

واذا استطعنا استخلاص القديم من كل اللغات السامية ، وتركيب لغة خاصة من هذه المادة القديمة ينفتح أمامنا بريق من الأمل في الوصول الى خيال لتلك اللغة من وراء جميع هذه العصور السحيقة الغابرة .

ولما كان علماء المشرقيات مختلفين في مهد الأمم السامية ومنبتها ، فهم مختلفون أيضاً في مهد نشوء هذه اللغة ، وقد استدل بعضهم على انها نشأت في أرض بابل وما جاورها بدليل ان أرض بابل هي المنبت الأصلي للحضارة البشرية . ولكن فريقاً أخر يعارض هذه النظرية معارضة شديدة

الا أننا اذا سلّمنا بأن الحضارة البشرية وجدت في حوض الفرات الأسفل ، يجب أن نسلّم بأنه في هذه البقعة اشتغل الانسان للمرة الاولى في التفكير والتمدين والتمصير مما قرب النظرية الاولى من الحقيقة

ولكن اذا عدنا الى الرأي الأخير ، وهو انتشار الأمة السامية بقبائلها في جميع المناطق في الشرق الأوسط ، تحتم علينا التصريح بأن اللغة أيضاً انتشرت بانتشار الأقوام التي كانت تتكلمها

ومهما يكن الأمر فليس تعيين منبت هذه اللغة بمهم جداً بالنسبة الى بحثنا هذا ، انما المهم انتقالها الى لغات حية عاشت زمناً طويلاً ، وذكرت في آثار تلك الأقوام ، واطلعتنا بقدر الامكان على نمط حياتها المادية والأدبية ، وهو ما يفيدنا أكثر مما تفيدنا معرفة منبت تلك اللغات أو منبت اللغة الأم معرفة مضبوطة

وانك لتجد تعليقات وآراء كثيرة حول اللغة السامية في دائرة المعارف البريطانية لا تتعدى كونها دراسات تخمينية . وكذلك قل في البحث الذي كتبه اسرائيل ولفنسون في مؤلفه " تاريخ اللغات السامية " لم نرفيه اكثر ما ورد في دائرة المعارف المشار اليها ، وبعد هذه اللمحات العابرة ننتقل الى موضوعنا الاساسي ، وهو العلاقات بين اللغتين العربية والآرامية ( السريانية )

العرب والآراميون

قبل بحث العلاقات بين اللغتين العربية والآرامية ( السريانية ) يجدر بنا معرفة من هم العرب ؟ ومن هم الآراميون ؟ واليك ذلك : من المؤكد أن الساميين أمة واحدة نشأت وانتشرت انتشارها الواسع المعروف ، ولنتخط البحث في سائر الأفخاذ السامية ، ولنفرد منها فخذين اثنين سمّي أحدهما " العرب " والآخر " الآراميون " ، فمن هما هذان الفخذان الساميان ؟

وقبل ان نعرف من هما ، يجدر بنا تصور الأمة السامية تضيق بها أرض منبتها ، ويلجأ بعض القبائل منها الى مغادرة تلك الارض لغرض الحصول على المعيشة اليومية الحيوية ، فتتفرق هذه القبائل هنا وهناك نازحة عن موطنها الاصلي ، فينتشر بعضها في الفيافي والسهول ويتوغل غيرها في الهضاب ويبقى القسم الآخر مقيماً في أرضه ، أما تاريخ هذا التفرق فليس معروفاً الى الان ولا حاجة بنا الى بحثه . ويظهر أن القسم المقيم أطلق بعض الأسماء الجديدة على الأقسام النازحة ، وذلك بحسب طبيعة الارض الجديدة التي نزحت اليها ، ومن هنا أتى اسم العرب واسم الآراميين اذ سمي النازحون الى الفيافي والسهول بـ ( العرب ) وسمي النازحون الى الهضاب بـ ( الآراميين ) ولماذا ذلك ؟ وما معنى الكلمتين ؟

" العرب " كلمة سامية قديمة معناها ( سكان الصحراء او البيداء ) حفظت في اللغات السامية المنحدرة من اللغة الأم ، فنجدها سواء في العربية ( العرباء ) وفي الآرامية ( عربا arobo ) وفي العبرية ( عربة Arbat ) فيكون " العرب " والحالة هذه القبائل النازحة الى الصحراء والبيداء الذين سموا أيضاً ( البدو )

وأما كلمة " آرام " فهي أيضاً سامية قديمة مركبة من كلمتين جاءتا في بعض اللغات السامية ومنها الآرامية نفسها والعبرية ، والكلمتان اللتان ركبت منهما هذه اللفظة هما ( ارعا رمتا areo romtho ) ( الارض العالية ) فيكون الآراميون والحالة هذه القبائل النازحة الى الهضاب والاراضي المرتفعة ، وزد على ذلك أن المؤرخين القدامى يقولون أن الآراميين هم ولد ( آرام ) بن سام بن نوح

واذا قررنا ان كلمة " عرب " تأتت من الصحراء والعرباء ، وكلمة " آرام " نشأت من الأرض المرتفعة ، يستطيع الباحث المتبصر ان يستنتج ان الموطن الجديد للقبيلتين هو الذي أوحى باسميهما ، وينتقل الى استنتاج الموطن الاصلي للأمة السامية كسهول بابل مثلاً أو ما يشبه ذلك

غير أن التاريخ يؤكد أن هذه القبائل السامية ، وإن اتخذت لها مواطن جديدة بعد جلائها عن موطنها الأصلي ، كانت لا تزال تتصل بعضها ببعض اتصالاً محدوداً ، ولغايات خاصة اما اقتصادية او عسكرية او غير ذلك وعلى هذا نشأ مثل هذه العلاقات بين سكان وادي الرافدين وسكان أقسام كثيرة من الجزيرة ، كما نشأت علاقات أخرى بين سكان الجزيرة والقبائل التي سميت بالآرامية من جهة أخرى ، الأمر الذي يؤيد ان سكان جميع هذه المناطق كانوا يستطيعون التفاهم بل كانوا يشعرون بأواصر القربى التي تشد بعضهم الى بعض

وأقدم ذكر لسكان الصحراء في الآثار المسمارية ورد منذ عهد شلمناصر الثالث ملك آشور وسمي فيه أولئك الصحراويون بالعرب ، وذلك في اواسط القرن التاسع قبل الميلاد ، وتردد ذكر " العرب " في المآثر المسمارية بعد هذا التاريخ في مناسبات كثيرة بصيغ مختلفة منحدرة من مادة واحدة هي البادية أو الصحراء

ووردت كلمة " العرب " في نضب داريوس على حجر " بهستون " وذلك بصيغة arabaya الموافقة للفظ الآرامي المختص بالعرب أو العربي كما وردت هذه التسمية " العرب " في مواضع كثيرة من التوراة ، وسميت أحياناً أخرى في التوراة " بجبل المشرق " و " أرض المشرق " ، " أرض بني المشرق " ومع هذا لا يعلم العهد الذي استعملت فيه كلمة " العرب " دلالة على القومية او العنصرية اللغوية ، والذي عول عليه كثيرون من المؤرخين ان ذلك عرف منذ الجاهلية حيث سميت الجزيرة باسم " جزيرة العرب "

وأما الآراميون ، فعرفهم التاريخ في جهات الفرات الاوسط منذ منتصف الالف الثاني قبل الميلاد ، حيث هبت ريحهم ونمت لغتهم وثقافتهم وقوميتهم ، وكذلك لغتهم الآرامية أخذت بالانتشار مستقلة منذ مطلع الألف الثاني قبل الميلاد وشاع اسمهم في المصادر المسمارية منذ عهد تغلا ثفلاصر الاول ملك آشور سنة ( 100 ق م ) على ما نعلم حتى الان على أن أقدم نص مكتوب ذكر فيه الاسم الآرامي ورد في سفر التكوين حوالي سنة 1740 قبل الميلاد ، وذلك ان " لابان " الحراني الذي تسميه التوراة " بالآرامي " وهو خال يعقوب أبي الاسباط ، عندما وقع العهد مع ابن أخته يعقوب ، وقعه بالآرامية وسماه ( يجر سؤدوثا⟨؟⟩ ) ( يغر سهدوثو ) ، أي ( نصب الشهادة ) . وكتبت هذه الجملة الآرامية في التوراة العبرية بصيغتها الآرامية التي وردت فيها .

وهذا أول أثر نعرفه حتى الآن للغة الآرامية بل أقدم نص ذكر فيه الاسم الآرامي ويتوارد اسم " آرام " و " الآراميين " في المراجع الأثرية والتاريخية مرات كثيرة بعد التاريخ الذي عيناه الآن . وكذلك في التوراة حيث تخبرنا عن الدويلات الآرامية المنتشرة في كل مكان مثل ( آرام صوباة ) و ( آرام صوبا ) و ( آرام معكة ) و ( آرام النرهين ) و ( آرام دمشق ) و ( آرام بيت راحوب ) و ( فدان آرام )

واذا علمنا أن أول ذكر للعرب كان في أواسط القرن التاسع ق. م ، بينما أول ذكر للآراميين في اواسط القرن الثامن عشر ق. م نجبر على القول حتماً بان الآراميين يسبقون العرب في القدم تسعة قرون كاملة ، الا أننا لا يجب ان نحسب هذا القرار نهائياً ، فعدم ذكر العرب الى اواسط القرن التاسع لا يدل على عدم وجودهم كأمة سارحة في بيدائها ، لأن انعزالهم في تلك البيداء البعيدة أدى الى تأخر ذكرهم في المصادر المسمارية وغيرها ، لأننا ( طبقاً لما ورد في التوراة على عهد ابراهيم الخليل وكان معاصراً لحمورابي ملك بابل المعروف ، وهو في نحو القرن العشرين ق. م ) نجد قبائل كثيرة ذات ابل وغنم وخيل تنتقل في المراعي الخصبة وتعود الى الصحراء ، وتسكن الخيم وتعيش عيشة البدو الذين عرفوا بـ " العرب " . وهذا ما يؤيد وجود العرب موازياً للآراميين على وجه التقريب ، ويؤكد لنا وجود العرب قبل التاريخ الذي ورد ذكرهم فيه بأزمان طويلة

صورة الصفحة — "العلاقات الجوهرية بين اللغتين العربية والآرامية " السريانية في النواحي التاريخية والفنية واللغوية والأدبية ٢

اضغط على الصورة لفتحها بالحجم الكامل

→ العدد 631: "العلاقات الجوهرية بين اللغتين العربية و
العدد 633: "العلاقات الجوهرية بين اللغتين العربية و ←