فهرس مقالات صوت العرب — Arab Voice Index
العدد 629 — ١٤ شباط ٢٠٠٩

الآراميون ٣

The Arameans, Part 3
"تاريخ مصر والشرق الأدنى القديم" — الدكتور نجيب ميخائيل ابراهيم
Arab Voice * Vol.#15 * Issue # 629*Feb. 14th2009 — صفحة 25
إعداد وتقديم / حنا عيسى توما / المؤسسة الأمريكية للدراسات السريانية * www.syriacstudies.com ** e-mail : hannaissa@gmail.com
The third part of Dr. Najib Mikhail Ibrahim's history of the Arameans surveys the region's states in the Assyrian age: the Amq (Patina), Aleppo, and Hamath, then focuses on the kingdom of Aram-Damascus. It follows kings Rezon, Bar-Hadad (Ben-Hadad), and Hazael through their wars with Israel and repeated confrontations with Assyrian rulers from Shalmaneser III to Tiglath-pileser III.
نصّ منسوخ حرفياً عن صورة الجريدة كما طُبع. الكلمات المعلَّمة بـ ⟨؟⟩ غير واضحة في الأصل المطبوع.Transcribed verbatim from the newspaper scan. Words marked ⟨؟⟩ are unclear in the original print.

العمق

لما قام آشور ناصر بال بحملته ضد فينيقيا عام 877 ق.م دخلت "العمق" (وهي المنطقة الممتدة إلى شمال بحيرة انطاكية حتى طوروس) تحت حكومة موحدة عرفت باسم "باتيني" وهي التي تردد ذكرها في التوراة تحت اسم "فدان آرام" ومن أجل ذلك عرف الاقليم كأنما هو آرامي وليس من المحتمل ان امراء آراميين كانوا يحكمون هذه البقعة في عهد آشورناصريال فظواهر الامور - من وراء استطلاع الاسماء - تشير إلى أن أصحابها كانوا يحملون أسماء ليست بسامية بل حيثية مما يكاد يشير إلى أن القوم هناك كانت تغلب عليهم النزعة الحيثية رغم كل شيء ومن هذه الاسماء المعاصرة لآشور ناصر بال الثاني وشلمنصر الثالث "ليبورنا"⟨؟⟩ و "سابالومي" و "كالباروندا" ثم "لوبارنا الثاني" الذي مات عام 833 ق.م كما تشير إلى ذلك المصادر الآشورية وكانت "العمق" أهم نواحي الاقليم وعاصمتها "كيناليا" وكان النظام الذي يسودها هو النظام الحيثي اقطاع يقوم على ركائز العشائر والقبائل رؤساؤها مستقلون أو خاضعون لمن هو أقوى منهم تبعا لقدرة صاحب السلطان وبظهور تجلات بلاسر الثالث على المسرح بدأ الامراء يعملون مستقلين وانتهت دويلة "باتيني" على هذه الصورة وحلت محلها دويلات أصغر شأنا هي "مارقاسي" (ماراش الحالية) و "جورجوم" وعونكي⟨؟⟩ (العمق) و "سمأل" و "ياعودي" التي سرعان ما خضعت جميعا لـ آشور. وأما السكان في هذه المواطن فقد تأثروا كثيرا بالمؤثرات الآرامية (وان لم يكن الحكام آراميين كما رجحنا فأسماء الحكام بعد الغزو كذلك ليست سامية على الاغلب مثل بانامور⟨؟⟩ وكارال⟨؟⟩ بل إن الاسم السامي الوحيد الذي نلتقي به وهو "عزرياعو" صاحب ياعودي ليس آرامياً على الاغلب كذلك بل كنعاني يمت بصلة إلى المرحلة قبل الحيثية) ولكن ما يدعو إلى الملاحظة في هذه المرحلة انتشار اللغة الآرامية وبدء الكتابة بحروفها بل ان الكنعانية بدأت تكتب بطراز فينيقي كما تشير إلى ذلك بعض القطع المستخرجة من حفائر "سنجرلي" وتؤكد الكتابة بالآرامية أيضا مخلفات عثر عليها في "سنجرلي" كذلك بأقليم "العمق" عاصمة دويلة سمأل ترجع إلى عهد "باريكاب" مولى تجلات بلاسر الثالث وهو ابن "بانامو" الذي مات - كما يشير ابنه - في عام 732 ق.م في عهد تجلات بلاسر في معسكر دمشق حين كان يتبع الجيش وهناك من "جرجين"⟨؟⟩ (على بعد خمسة أميال من ستجرلي) أثر أقامه كذلك "بانامو" الاكبر ملك ياعودي.. وتعد النقوش أقدم ما عثر عليه مكتوبا بالآرامية.

حلب

كانت تقع إلى شرق هذا الاقليم منطقة حلب التي لا تشير اليها النصوص الآشورية كعاصمة ولاية مستقلة وحين تقدم اليها شلنصر الثالث في حملته على دمشق عام 854 ق.م. قدم التضحيات إلى "حدد" ولكنه لا يشير إلى الوضع السياسي لها ولنا أن نفترض - بناء على ذلك - قيام حكومة مستقلة بها هي التراث الباقي من السلطان الكنعاني الحيثي وإنا لنتلقي في نفس هذه البقعة (كما تشير إلى ذلك كتب العمارنة) باقليم "نوخاشي" الذي يشير صاحبه في كتبه إلى امنحتبه الثالث إلى أن تحتمس الثالث عين جده حاكما هناك وهو يشكو من ضغط خاتي.

حماة

تقع حماة إلى الجنوب من هذه المنطقة وهي تتحكم في الاقليم الواقع بين حلب ودمشق وبها - كما تشير إلى ذلك كتب العمارنة - بعض المدن مثل "ني" و "قطنة"⟨؟⟩ و قادش ونستطيع ان نشهد في الأولى والثانية أهم مدينتين قديمتين في الاقليم هما "أباميا" و "حمص" أو "أميسا" وكانت تقطن بهما عناصر كنعانية وحيثية. أما قادش فقد تردد ذكرها كثيرا في النصوص كموطن للحيثيين في القرن الثاني عشر وحين تقدم شلمنصر الثالث نحو دمشق عام 854 ق.م كان من حلفائه (أو مواليه على الارجح) "بريدري" و "إرخوليني" ملك حماة الذي ارتبط بآشور عقب ذلك مباشرة وفي عهد تجلات بلاسر الثالث نشهد حماة كدويلة موالية لآشور فقدت استقلالها عقب ذلك في عهد سرجون إثر ثورة "ياعوبيدي".

دمشق

أما اقليم دمشق فيقع إلى الجنوب ناحية الصحراء وهو لا يلعب في كتب العمارنة دورا أهم من دور حماة ولكننا نلتقي به يتردد ذكره باستمرار منذ عهد داود حيث يشار اليه كعاصمة لمملكة تقف على قدم المساواة مع غيرها من الممالك ولقد كانت هذه المملكة من أول الامر "آرامية" فملوكها كانوا آراميين وهي قد عرفت منذ البداية كمركز للآراميين ولعلنا نلتقي المرة الأولى بحكام من الآراميين يتخذون من اقليم من الاقاليم مركزا لاشعاع حضارتهم يستطيعون منه أن يسهموا في توجيه السياسة الدولية المعاصرة. ولعل دمشق تدين لموقعها بهذه الميزة ذلك لأن وضعها الجغرافي استطاع أن يذود عنها بعض الوقت اطماع آشور من ناحية كما يسر لها الاتصال المباشر بالحضارات القريبة منها عن طريق الوديان والسهول وهي في الوقت نفسه مركز هام لطرق القوافل إلى الصحراء السورية وهي بذلك وسيط مباشر بين التجارة العربية والبابلية من ناحية وتجارة سورية وفلسطين من ناحية اخرى. ومن اجل ذلك كانت اكثر من غيرها تعرضا لهجرات وغارات الآراميين من ناحية السهول بل انها بسبب ذلك ايضا كانت أول ما وقع في ايديهم من سورية وأول ما استوطنوه هناك من اقاليم وتشير كتب العمارنة إلى سفارة من دمشق إلى البلاط المصري تشير إلى تهديد حشود الآراميين وان كان لا يشار إلى المواطن التي يتقدمون منها وكان تقدم الآراميين إلى هذه النواحي يعني وجود اقليم آرامي إلى جنوب دمشق في عهد شاؤل وداود يشتمل "صوبا الآرامية" ويمتد حتى اقليم "جشور" الذي لجأ اليه "ابشالوم" حين كان يعيش طريداً وعلى ذلك فاننا نستطيع ان تنتهي إلى ان اقليم دمشق يمثل مركز الآراميين المباشر اكثر ما تمثله المدائن الاخرى وانها اقدم المواطن التي استقر بها الآراميون وجعلوا منها مركزا لتحركاتهم القبلية حتى جعلوا من دمشق دولة استطاعت ان تفرض نفسها منذ القرن العاشر قبل الميلاد على ما كان يجري من أحداث وان تقف على قدم المساواة مع غيرها من الدول بحيث أصبحت تستطيع أن تعدل من القوى حين كانت تنحاز إلى احد الجانبين وبحيث اكتسبت احترام جيرانها بفضل ما أظهرته من منعة وقوة وما وصلت اليه من مركز حضاري مرموق. ونلتقي أول ما نتلقى⟨؟⟩ بذكر مملكة دمشق في التوراة حين استطاع "رصين" خلال حكم سليمان أن يرفع عن كاهله نير "حدد عزر" ملك صوبا ويستولي على دمشق... وعلى ذلك فلا بد أن "صوبا" كانت مركزا من قبل الآراميين الذين كانوا يضغطون على سورية وكان امتلاك دمشق الخطوة التالية لتوسعهم وكان "رصين" في صراع دائم مع اسرائيل وكانت الجليل وشرق الاردن موطن الصراع بين الفريقين وتشير التوراة إلى أسماء محرفة أو مشوهة على الاراجح من بينها الاسمان التاليان وأولهما "حزيون" كما تشير اليه التوراة وهو "حزائيل" الذي خلفه "تبرمون" أو "تب إيل" ونحن لا نكاد نعرف شيئا عنهما أكثر من اسمين مسجلين يرجح بعض المؤرخين أن أولهما قتل سلفه المباشر وانه حين أنفض عنه خلفاؤه عول على أن يحارب شلمنصر منفردا. وبعد هذه المرحلة تبدأ معلوماتنا تزداد عن دمشق وحكامها فهناك "بريدري" (وهو "بنهدد" الذي تشير اليه نصوص التوراة) واستطاعت دمشق في عهده أن تصبح على رأس الدويلات السورية (885-844 ق.م) وقد هاجمها شلمنصر الثالث عام 854 ق.م وهو يشير في حولياته إلى الاقاليم والولايات التابعة لدمشق ومن بينها "حماة" و "اسرائيل" (تحت حكم أخاب) ثم موءاب ويهوذا (كتابعتين لاسرائيل) ثم ادوم (كتابعة ليهوذا).... والولايات الفينيقية الشمالية إلى الشمال من "جبيل" و "عمون" و "قوى" (اوكيليكيا)... وهي مجموعة تستطيع أن تتضمنها مملكة لا دويلة. ...ولكن موقعة قرقار - رغم أهميتها كما نعلم - لم يستطع شلمنصر أن يجني من ورائها ريحا وقد أصابته الخيبة كذلك في حملته التالية لاخضاع سورية واستطاعت آشور أن تدرك انها بغير إخضاع دمشق لا تستطيع أن تثبت أقدامها في سورية ولم يكن من اليسير بالنسبة لواحدة من هذه الولايات أن تظهر ميلا لآشور لأن هذا كان يعني بالضرورة تعرضها لقسوة دمشق وحزمها وقد ظلت الامور كذلك حتى استطاع تجلات بلاسر في نهاية الامر أن يخضع دمشق. كان "بريدري" يمثل في الواقع عنفوان سلطان دمشق ومجدها وانا لنرى ذكره

يتردد في التوراة

كما يتردد ذكره "حزائيل" حين يشار إلى قصورهما وما سوف ينالها من تدمير ونحن في الواقع لانجد⟨؟⟩ اشارة أو تنويها لدمشق قبل عصر شلمنصر بل اننا نكاد نستنتج من وراء صمت النصوص الآشورية في عهد آشور ناصربال وهو يشق طريقه نحو "باتيني" أن دولة "بريدري" كان لها كيانها وأن الملك الآشوري يحرص على عدم الاحتكاك بها ولهذا لم يتقدم إلى ما وراء "باتيني" بل هو لا يشير إلى أنه سار جنوبا إلى فينيقيا ولم يتعرض لذكر مدينة غير "آرواد" وهو لا يشير إلى اسرائيل ولا يتعرض لها (فهي في عهد عمري من موالي دمشق على الارجح) أما صور فانها كانت تدفع الجزية لآشور وتشير التوراة إلى نبوءة اليشع بموت "بريدري" (بنهدد) ولكن الاشارة هنا لا تبين في وضح الدور الذي لعبه خلفه "حزائيل"....

ولعلنا لاحظنا من قبل أثر تغيير الملكية هنا في سقوط وانهيار أسرة "عمري" وانتقال العرش إلى إسرة "ياهو" ولما كان "ياهو" قد اعلن للتو خضوعه لآشور فأننا نكاد ندرك أن آشور كان لها إصبع في الثورة وفي الفتنة التي ساعدت على إيقاظها لتحاول اضعاف عدو لم يسعها أن تغلبه في ساحة الوغى وربما لجأ "حزائيل" كذلك إلى آشور لتسنده في اعتلاء العرش ولكنه حالما أصبح ملكاً على دمشق ظل على مقاومة آشور بأمل تثبيت مركزه واظهار قوته.. ولذا نراه في عام 842 ق.م. يحارب شلمنصر. ونستطيع هنا ان نعقد المقارنة بينه وبين سلفه "بريدي" ففي عهد "بريدي" كنا نطالع اسماء حلفائه ومواليه وأما هنا فاننا نشهد "حزائيل" يقف وحيدا كما نرى الآسوريين يشقون طريقهم نحو دمشق مباشرة ويضطر حزائيل إلى الدفاع عن نفسه في عاصمته, ولم يقدر لشلمنصر ان يأخذ كل البقاع القوية التحصين فأكتفى بأن يجتاح الاقاليم على الطريقة الآشورية المتبررة. ولقيت حملة 839 ق.م. التوفيق كذلك. ولكن آشور اضطرت بعد ذلك ان تعدل عن محاولة تحقيق اهدافها وسعت دمشق إلى استرداد اسرائيل, ووقعت بين نارين: مواليها الجدد من الآشوريين ومولاها القديم الذي يسعى لاستردادها.

وخلف حزائيل "ماري" الذي نتعرف عليه في نصوص "أددنيراري الثالث" والذي تشير اليه التوراة كذلك تحت اسم "بنهدد"

وقد تعرضت دمشق تحت حكمه لهجمة آشورية جديدة واضطر للتسليم بعد حصار دمشق. ولكن ضعف آشور بعد عصر "أددنيراري الثالث" شجع دمشق على استرجاع استقلالها الذي لم تستمتع به طويلا فسرعان ماتقدم نحوها شلمنصر الرابع في عام 773 ق.م. ولكن الامور تظل غامضة حتى عهد تجلات بلاسر الثالث الذي يعاود الهجوم عليها كذلك.

صورة الصفحة — الآراميون ٣

اضغط على الصورة لفتحها بالحجم الكامل

→ العدد 628: الآراميون ٢
العدد 630: الآراميون ٤ ←