فهرس مقالات صوت العرب — Arab Voice Index
العدد 628 — ٧ شباط ٢٠٠٩

الآراميون ٢

The Arameans, Part 2
"تاريخ مصر والشرق الأدنى القديم" — الدكتور نجيب ميخائيل ابراهيم
Arab Voice * Vol.#15 * Issue # 628*Feb. 7th2009 — صفحة 25
إعداد وتقديم / حنا عيسى توما / المؤسسة الأمريكية للدراسات السريانية ** e-mail : hannaissa@gmail.com ** www.syriacstudies.com
Continuing Dr. Najib Mikhail Ibrahim's history of the Arameans, this installment examines their relations with neighboring powers: Hittites, Assyrians, Babylonians, and Mitanni. It follows the slow Aramean infiltration along the Euphrates into central Syria, their clashes with Tiglath-pileser I, the rise of Damascus as an Aramean center, and their intertwined history with the Israelites during the power vacuum left by weakened empires.
نصّ منسوخ حرفياً عن صورة الجريدة كما طُبع. الكلمات المعلَّمة بـ ⟨؟⟩ غير واضحة في الأصل المطبوع.Transcribed verbatim from the newspaper scan. Words marked ⟨؟⟩ are unclear in the original print.

تطور علاقة الآراميين بجيرانهم

لئن كنا نعرف شيئا – أو لا نكاد نعرف شيئا – عن سورية المعاصرة للامبراطورية البابلية القديمة إلا أننا نستطيع أن نقرر أنه ما دامت فينيقيا قد خضعت لها فلا بد أن سورية تأثرت بها على الأقل فتلقت نصيبها من الهجرات السامية البابلية والكنعانية وأما أي نوع من الشعوب غزا – أو حاول الغزو – من الشمال – حيث كان يتقدم الحيثيون كذلك – فأمر لا يزال يحتاج لكثير من الضوء , ذلك لأنه رغم أن الغزو البابلي في اخريات الاسرة البابلية الأولى يشير إلى تحركات حيثية نحو الجنوب فأننا نستطيع إلى جانب ذلك أيضا أن نقرر من وراءها ماأوردته كتب العمارنة ومخلفات بوغاز كوى أننا نستطيع أن نلقي بعض الضوء على سير الأمور في هذه المرحلة إذ أنها تشير إلى ان شعبة غير سامية شقت طريقها إلى الامام وأن عناصر من نفس الجنس كانت تضغط من الخلف

منذ هذه المرحلة يبدأ التاريخ السوري في إبراز معالمه :

إن الحيثيين يختلفون عن الساميين من حيث المميزات الجنسية والزي وطرائق الحياة والكتابة . الخ – وقد جيء بالحضارة الحيثية إلى سورية من الخارج جاء بها الغزاة وخاصة الـ " خاتي " ولكن متى حدث ذلك؟ إن الخاتي كانوا يستقرون قبل الغزو في كبادوشيا ( شمال شرق آسيا الصغرى ) مهد حضارتهم على الأرجح وقد تلقى الابحاث مستقبلا بعض الضوء على علاقات الحيثيين بالسكان ما قبل الآريين في الغرب حتى يستطاع مقارنتهم بالاترسكيين والايبيريين وغيرهم ممن يدورون في نسيج ضباب التاريخ البدائي . ولسنا نستطيع الآن سوى ان نفترض أن سكان آسيا الصغرى في الألف الثاني – بل وقبله – كانوا حيثيين وان كان من المستحيل أن نقدم برهانا على الارتباطات والقرابات بين الجنسيات المختلفة وحين تحل مشكلة الهيروغليفية الحيثية قد نستطيع ان نتبين الفروق بين مختلف اللهجات في مختلف النواحي من وراء النصوص التي عثر عليها في سورية وبخاصة في حماة وحلب وقرقميش وماراش وكيليكيا . كان الحيثيون حين تعرفنا عليهم يشقون طريقهم إلى سورية وميزوبوتاميا وشمال بابل . ويشير نص بالمتحف البريطاني – يعد أقدم ما نعرفه عنهم – إلى أنهم نجحوا في الاستيلاء على بابل ونهبها في نهاية الاسرة البابلية الأولى قبل الغزو الكاشي . وفي القرن الخامس عشر كانت لـ " ميتاني " السيادة على ميزوبوتاميا وشمال سورية وخاصة في الرقعة التي تمتد حتى طوروس ولا بد أنه كان لامبراطورية " خيتا " كيان في هذه الفترة وان كنا لا نستطيع تحديد حدودها السياسية وقد تعرضت ميتاني لضغطها بعد ذلك حتى قضي عليها بفضل تقدم الملك الحيثي شوبيلوليوما وخلفاؤه مورسيل ومواتاللي . وتاريخ مصر في هذه المرحلة حافل بما سجل من أحداث يستطاع من ورائها تقدير مدى قوة الحيثيين وعنفهم ما يشير إلى انهم ليسوا جددا على مسرح السياسة . ولئن استطاعت حاتي أن تمد نفوذها فترة من الزمان في سورية فانها لم تستطيع أن تستمتع بثمار هذا التغلغل وما كانت تحبكه من مؤامرات أنارت⟨؟⟩ بها الامراء من اصدقاء مصر واعوانها إذ سرعان ما تدخل الأشوريون فأفسدوا ما كلن الحيثيون يدبرون وقضوا على نفوذهم هناك . ولعل أقدم نقوش حيثية عثر عليها في الاراضي السورية وجدت في حفائر سنجرلي والعمق وهي ترجع إلى العصر ما قبل الآشوري أقدمها نستطيع أن نؤرخه بالالف الثاني . وفي " سنجرلي " نشهد تراث شعب حيثي قديم قادم من حاتي . . . أما الآراميون قد شقوا طريقهم اليها بعد ذلك وهم لم يهاجروا إلى سورية مباشرة في أول الامر ولكن أصبحت لهم الغلبة بعد أن انتشروا في بابل وميزوبوتاميا, وسبب ذلك أن الهجرات الحيثية كانت تستطيع أن تتقدم ما دامت لا تجد ما يعوقها كان الميتانيون والكاشيون قد تقدموا من قبل من ناحيتين وكانت الموجات الأولى للحيثيين قد أفادت من وراء ضعف بابل وآشور ومع هذا التيار – في نفس الوقت – انتشرت موجة الهجرة الآرامية من الجنوب على وادي الفرات وسورية ولم تلق مقاومة من الكاشيين المستقرين على ضفاف النهر بل شقت طريقها لتحارب خاتي في سورية وعلى ذلك فان النواحي التي تظهر لنا في عصور تالية كأنما هي آرامية تماما لم تكن كذلك فعلا إلا في عصر متأخر . فدمشق وحلب ومدن سورية الشمالية أصبحت آرامية حين طغت الآرامية على ميزوبوتاميا وبابل على السواء . و " بيثور " على الفرات ظلت حيثية – كفرقميش – لم يحتلها الآراميون حتى ظهر " آشورربي " وفرقميش نفسها ظلت تقاومهم طويلا أما النواحي المتطرفة في الشمال من " سوري " مثل كوماجين فلم يستطع الآراميون غزوها بل ظلت – حتى خضعت لآشور – تحت سلطان الامراء الحيثيين وهو أمر لا يستطيع على كل حال أن يباعد فكرة إمكان تقدم عناصر آرامية نحوها رغم ذلك .

وأما الصورة التي تستطيع سورية أن تقدمها لنا عن الهجرات الآرامية قبل القرن الخامس عشر وبعده فهي كما يلي : استطاع الحيثيون أن يطردوا أو يخضعوا الكنعانيين القدامى وكان الآراميون يتقدمون نحو الحيثيين ولكن لما كان الحيثيون يمتد نفوذهم في القرن الثاني عشر على سورية البقاع حتى قادش فإن تقدم الآراميين في سورية لم يربطهم مباشرة بالبلدان السورية الداخلية عن طريق احتلال بعض المواقع الهامة مثل دمشق وحماة وحلب . بل انهم تقدموا أولا إلى الشرق على طول الفرات . وحين استولوا على ميزوبوتاميا عبروا الفرات وتقدموا غربا إلى سورية الوسطى . وقد طرد تجلات بلاسر الأول الآراميين عند قرقميش عبر النهر واستطاعوا أن يحلوا عند تقهقرهم في محلات على الضفة اليمنى ولم يستطيعوا أن يحتلوا المدن الحيثية في سورية – فيما عدا دمشق – إلا متأخرا وعلى ذلك فإن الآراميين لم يقتلعوا اللغة الكنعانية القديمة إلا في العهد الآشوري . وقد ارتبطت الهجرة الآرامية في الشمال بالموجة الاخيرة من الحيثيين المعروفين تحت اسم " كوموخي " الذين عوقوهم عن التقدم كما منعوا بدورهم تقدم " الكوموخي " إلى الاقاليم الداخلية في سورية البقاع . لم يتبع تقدم تجلات بلاسر الأول إلى شواطىء البحر المتوسط أي توسع لسلطان آشور غربا ذلك أنه سرعان ما استدعى إلى الشرق ليصد هجمة قام بها الملك البابلي " مردوك نادن أخي " الذي استولى على " ايكالاتي " ونقل إلى بابل اثيل⟨؟⟩ " ادد " و " شالا " إلهي المدينة ( ولم يمكن اعادتها إلا في عهد سنحريب ) واتخذ تجلات بلاسر خطى الانتقام السريع فهزم البابليين عند الزاب الادنى وتقدم مجتاحا حتى استولى على بابل وسيبار وأوبيس وغيرها وكانت هذه ضربات متلاحقة للبابليين وقضاء على ما كان يجول بخواطرهم من إمكان الانتقاص من سيادة آشور واعادتها إلى حكم سيدتها السابقة وسرعان ما شغلت عرش بابل أسر لم يكن لها أثر في التاريخ حتى انتقل العرش إلى العيلامي المغتصب من التلال الشرقية واسمه " مار بيتي أبل أوصر " وظل حكم الاسر الضعيفة مدى قرن من الزمان قتل بعضهم البعض الآخر خلاله وتعرضوا جميعا لغارات القبائل الآرامية من ناحية الصحراء وظهر الآراميون أول ما ظهروا في بابل خلال حكم " ادد ابلو ادينا " الخلف التالي ( وليس المباشر ) لـ " مردوك نادين أخي " . وأما آشور فقد حل بها الضعف كذلك إذ انتقل العرش بعد تجلات بلاسر إلى ولديه " آشور بعل كلا الأول " ثم " شمشي ادد " اللذين استهدفا العيش في سلام كانا ينشدانه عن طريق ربط نفسيهما ببابل بروابط الود والمسالمة ثم سقطت الظلال على آشور وسرعان ما رانت عليها الظلمات كما رانت على بابل مدى قرن أو أكثر . كانت هذه فرصة العمر لقيام قوة جديدة في سورية وفلسطين : كانت هذه الاراض المتوسطة – منذ القدم – مكان لقاء ومعارك وساحة وغي بين مصر وبابل والحيثيين كما نعلم وأما وقد أصاب الشلل مصر وبابل وحاتي جميعا فالفرصة مواتية من غير شك لمن يستطيع أن يستغلها كانت آشور قد استطاعت أن تقلم أظفار حاتي وان تهد من قواها . . . ولكن لتتجرع من نفس الكأس بعد قليل وأما مصر وبابل قد أصيبتا بالهزال بعد أن دبت الشيخوخة إلى أوصالهما حتى غدت ميزوبوتاميا ومصر والاناضول مضيعة القوى جميعا وأما الارض فيما بينهما سورية فقد أحست بالحرية وبدأت تلتقط أنفاسها بعد طول ما أنهكها من صراع بين الطامعين فيها . تقدمت نحو هذه الارض التي بدأت تستشعر لذة الحرية عناصر ثلاثة تسعى جميعا وراء الاستيطان بها واستغلالها وطرد أهلها منها وهم الاموريون والكنعانيون الفينيقيون على الاغلب . . . . تقدمت من الجنوب شعبتان من بين هذه العناصر الثلاثة هما الفلسطينيون والاسرائيليون كما زحف الآراميون من الشمال . أما الآراميون والاسرائيليون فكانوا من الساميين : استطاعوا في وقت ما أن يمتزجوا بالسكان الكنعانيين والاموريين في البلاد التي مروا بها أو أخضعوها . . واما الفلسطينيون فلم يستطيعوا ذلك فهم ليسوا بساميين بل هم ايجيون كريتيون على الارجح لا يختتنون ( وهكذا لا يمتزجون بالساميين ) . ومع ذلك فان الصراع الطويل بين الفلسطينيين والاسرائيليين لم يؤد – رغم محاولات الاسرائيليين – إلى القضاء على الفلسطينيين الذين منحوا رقعة الارض التي استقروا عليها اسمهم وربما قنع الاسرائيليون بعد ان عجموا عودهم بالابتعاد عنهم والاندماج في الكنعانيين ومساكنتهم بعد ان نقلوا عنهم عاداتهم وطرائقهم في الحياة والعبادة .

كان دخول الفلسطينيين سابقا لدخول العبرانيين والآراميين, وربما كان دخول الآراميين سورية على هيئة تسرب مزمن بطيء اكثر منه على هيئة غزو حقيقي حربي يتم على مرحلة واحدة . ذلك ان القبائل الآرامية اخذت تتطور على ضفاف الفرات الأوسط بعد ان خرجت من مواطنها الأولى في شبه الجزيرة العربية على هيئة مجموعات من الرحل يسعون إلى تملك ما يحيط بهم من اراضي مرموقة هي اراضي البابليين من ناحية والسوريين من ناحية اخرى . وربما حدث استقرارهم الكبير في ارض " اوبي " ( وعاصمتها القديمة دمشق ) خلال اوعقب الارتباك الذي نشأ بسبب الثورة الفلسطينية ضد مصر في اخريات عهد اخناتون ثم اغارة الحيثيين على ميتاني وتقويض دعائم ملكها . وكذلك عند تقدم العبرانيين نحو فلسطين . وهكذا تحولت دمشق إلى مركز دويلة آرامية وسرعان ما أخذ الآراميون يمتصون العناصر الامورية والحيثية في وادي الاورونت وشمال سورية . وكانت الحدود بين العبرانيين والآراميين من ناحية شرق الاردن هي البرموك وأما من ناحية الغرب فكانت إلى الشمال في اعلى وادي الاردن حتى الجبال حيث مقاطعة " أشير " التي تحادد الشاطىء الفينيقي ولم تكن هناك فوارق واضحة على الاغلب بين الآراميين والعبرانيين من ناحية الاصل أو المصدر اللذين جاءا عنه, ومن المحتمل أن الجنسين امتزجا على الحدود منذ البداية حتى أن القبائل الشمالية مثل " نفتالي " استطاعت أن تتحول من اسرائيلية إلى سورية وانا لنستطيع أن نترسم في صميم الأمة العبرانية ميلا آراميا واضحا في قصة ابراهام واسرته ( الذي أتى من حاران الآرامية – على قولهم – قبل أن تكون دمشق كذلك بزمن طويل ) وذلك إن نحن وافقنا على أن القصة ترجع فعلا إلى عصر أول هجرة لأسلاف العبرانيين من شمال ميزوبوتاميا إلى كنعان قبل دخولهم إلى مصر وان الارتباطات الآرامية التي نسبت إلى ابراهام جد الاسرائيليين صدى لما كان يدور بخلد يوشيا ومعاصريه واما سلسلة أنساب أبناء ناحور فتحتفظ بتراث قديم للارض التي كان يسكنها الآراميون قبل ان يحتلوا سورية الجنوبية ودمشق ومن الملاحظ أن نسل ناحور هم أسلاف الآراميين الحقيقيين بينما أبناؤه غير الشرعيين من المحظيات هم أصحاب المدن من البلاد المنزرعة مثل تحش ( تخسى في النصوص المصرية التي علق أمنحتبه الثاني سبعة من أمرائها من أرجلهم على مقدم سفينته في موكب النصر إلى طيبة عند عودته منها منتصراً ) قبل أن تصبح آرامية بقرن من الزمان والواقع أن تسجيل اسم تحش وإغفال ذكر " دمشق " و " حران " يشيران إلى ان القائمة دونت قبل عام 13. ق . م وليس هناك من سبب يدعونا إلى افتراض انه في حكم امنحتبة الثاني كانت " تحش " ( تخسى ) آرامية اكثر من دمشق . . . ومجمل القول اننا نلتقي بالآراميين كما قدمنا – على وجه التحقيق – في حران في عهد تجلات بلاسر الأول ( حوالي 11.. ق . م ) وبعد ذلك بزمن ليس ببعيد نلتقي بملكتي صوبا ودمشق في حروبهما ضد داود ولما كان لا بد لهما من أن تتخذا فترة ما لتستقرا وتصبحا قادرتين على المقاومة فمن المحتمل أن الآراميين استولوا على دمشق وحران في خلال القرن الثالث عشر ومن المحتمل أن دمشق غدت آرامية بعد اجتياح الشماليين القادميين من آسيا الصغرى الذي هزوا سلطان الحيثيين وقوضوه كما قضوا على الاموريين وافتوهم⟨؟⟩ . ولعل تدخل الآشوريين يفسر امر عدم التقائنا بولايات أو دويلات آرامية لها أثرها الحاسم أحيانا فنحن لا نكاد نلتقي بعد بغير دمشق ولعل السبب في ذلك أنها أبعد المراكز الحضارية عن ساعد آشور , ولعلها – من أجل ذلك – كانت آخرها في الوقوع تحت سلطانها .

صورة الصفحة — الآراميون ٢

اضغط على الصورة لفتحها بالحجم الكامل

→ العدد 627: الآراميون ١
العدد 629: الآراميون ٣ ←