فهرس مقالات صوت العرب — Arab Voice Index
العدد 608 — ٢٠ أيلول ٢٠٠٨

أصل المسيحيين في سورية وفلسطين ٤

The Origin of the Christians of Syria and Palestine, Part 4
منذ فجر التاريخ حتى الفتح العربي - بعد الفتح العربي الاسلامي
Arab Voice * Sep. 20th 2008 * Vol.(15) * Issue# 608 — صفحة 29
إعداد وتقديم / حنا عيسى توما / المؤسسة الأمريكية للدراسات السريانية * www.syriacstudies.com ** e-mail : hannaissa@gmail.com
Concluding the series, this part examines the Crusader era's harsh treatment of native Orthodox Christians, Saladin's restoration of the holy places to them, and the assimilation of Crusader remnants. It traces notable Arab clergy and the varied genealogies of Christian families, concluding that the region's Christians, of Aramean, Arab, and Greek stock, are Arab by language, culture, and homeland.
نصّ منسوخ حرفياً عن صورة الجريدة كما طُبع. الكلمات المعلَّمة بـ ⟨؟⟩ غير واضحة في الأصل المطبوع.Transcribed verbatim from the newspaper scan. Words marked ⟨؟⟩ are unclear in the original print.

ابتدأ ظهور الصليبيين في هذه البلاد سنة 1079 م وتقلص ظلهم منها نهائياً سنة 1297 م فكانت مدة وجودهم فيها نحو قرنين كاملين قاست البلاد الأهوال في أثنائها . وكان وجودهم فيها نقمة على المسيحيين الوطنيين بنوع خاص . فإن بعض صغار العقول من المسلمين لما رأوا فتك الصليبيين بالمسلمين نفرت قلوبهم من مواطنيهم المسيحيين . وأخذوا ينظرون اليهم نظرة عداء ويضطهدونهم كلما جلا الصليبيون عن بلاد فيها بعض المسيحيين مع أن الصليبيين الذين كانوا يدعون أنهم انما جاؤوا الى هذه البلاد ليخلصوا المسيحيين فيها من جور المسلمين قد اضطهدوا المسيحيين الوطنيين اضطهاداً شديداً وأذاقوهم الأمرين . وقد انتزعوا الأماكن المقدسة من أيدي الأرثوذكس واستلموا البطريركية والكنائس والأديرة وصاروا ينصبون البطاركة منهم ولم يعترفوا لمسيحيي البلاد في الأماكن المقدسة والوظائف الكنائسية . بل نبذوهم نبذ النواة واحتقروهم واحتقروا لغتهم . الأمر الذي لم يخف على ذلك القائد الكبير صلاح الدين الأيوبي الذي استعان بمسيحيي هذه البلاد على فتح بيت المقدس عندما لاحظ ما يكنونه من الكراهية للأفرخ والميل الى مواطنيهم العرب . ولما طرد الصليبيين من القدس سلم الأماكن المقدسة لأصحابها الأرثوذكس الوطنيين وأمنهم على أرواحهم وأموالهم واستخدم كثيرين منهم في جيشه كمأموري إعاشة وخزنة أموال . وهي وظائف لا تعطى الا لمن اشتهر بالأمانة والاستقامة والاخلاص وحسن المعاملة.

وقد تشتت الصليبيين بعد سقوط بيت المقدس فرجع قسم منهم الى بلادهم والتجأ البعض الآخر الى اخوانهم في صور وطرابلس فلم يقبلوهم . فتاهوا في البلاد واندمجوا في أهلها على تمادي الأيام وتعلموا لغة أهلها وعوائدهم وصاهروهم وامتزجوا بهم فتعربوا ولم يميز بينهم وبين الوطنيين . وقد ذكر بعض المؤرخين ان الذين تأخروا في القدس فقط من فلول الصليبيين كان عددهم 16 ألف نسمة ما عدا فرقة من فرسان مار يوحنا بقيت للإهتمام بالمرضى والضعفاء منهم.

فالصليبيون والحالة هذه وان كانوا لم يمتزجوا بغيرهم من السكان في أثناء وجودهم في البلاد فإن فلولهم التي بقيت فيها قد اندمجت في مسيحيي هذه البلاد . يشهد بصحة هذا القول ما نسمعه من الألقاب غير العربية الموجودة في كل بيت من بيت لحم والناصرة والقدس وبيت جالا وغزة ويافا من مدن فلسطين وقراها وفي كثير من البلاد السورية . وبعد ان خلت البلاد من الصليبيين أصبحت الحكومة من جهة والأهالي من جهة أخرى يخشون وينفرون من كل ما هو أجنبي ولا يريدون ان يسمعوا لغة أعجمية . ولذلك ظهر في سوريا وفلسطين بعد رحيل الصليبيين منهم بطاركة وقسوس ورهبان من العرب . واشتغل كثيرون منهم في التأليف حتى أنك لتجد أكثر المخطوطات المحفوظة في المكاتب الشهيرة التي أشرنا اليها فيما سبق من آثار تلك العصور.

ونبغ في ذلك الزمان عدة رجال نوابغ من الاكليروس العربي في سورية وفلسطين نذكر منهم : المطران سليمان بن حسن الغزي اسقف غزة العالم الشهير والشاعر المطبوع ، وله ديوان في وصف الديانة المسيحية وشرح معتقداتها ووصف الأماكن المقدسة وما أشبه ذلك في 154 صفحة ، وهذا الديوان لا يزال موجوداً حتى الآن بلغته العربية الفصحى في مكتبة دير الروم بالقدس وله ثلاث مقالات دينية باللغة العربية . والمطران ايليا اسقف بيت لحم العربي الذي كان عالماً شهيراً وقد دفن في كنيسة مار الياس ولا يزال قبره حتى الآن هناك منقوشاً عليه تاريخ وفاته باللغة العربية . وافتيميوس كرمه الحموي . ومكارريوس ابن الزعيم الشهير بطريرك انطاكية . وابن الخوري بولس صاحب المؤلفات المشهورة . والشماس عبدالله ابن الفضل الانطاكي . وذروثاوس الثاني البطريرك الانطاكي سنة 1436 وهو ابن الصابوني . وميخائيل الرابع البطريرك الانطاكي سنة 1454 وهو ابن المارودي⟨؟⟩ . ويواكيم الرابع البطريرك الانطاكي سنة 1524 وهو ابن جمعة البيروتي . ودروثاوس الرابع وهو عبدالعزيز بن أحمر من دمشق . وأثناسيوس الثالث ابن الدباس الدمشقي . ويواكيم الخامس بن ضو من برج صافيتا ... وغيرهم كثيرون يضيق بنا المقام عن تعدادهم وذكر مؤلفاتهم . ونلاحظ انه لما عقد المجمع الفلورنتيني سنة 1439 م لإتحاد الكنيستين الارثوذكسية والبابوية كان البطاركة الثلاثة الموجودون في ذلك المجمع - الاورشليمي والانطاكي والاسكندري - عرباً والبطريرك القسطنطيني فقط في ذلك المجمع كان يونانياً.

ثم نلاحظ انه لما دخلت البلاد تحت حكم المماليك الجراكسة ظهر بين مسيحييها عنصر جديد أيضاً هو العنصر الكرجي . وكانوا مسيحيين أرثوذكس من قفقاسيا . وبنوا لهم أديرة وأشتركوا مع أهل البلاد في إدارة الأماكن المقدسة واختلطوا بهم وكانوا معززي الجانب من قبل المماليك الجراكسة مواطنيهم.

وفي منتصف القرن الخامس عشر للميلاد وقع خصام في حوران بين القبائل العربية وثقل بعضهم على القبائل العربية المتنصرة في تلك الجهات فرحل بعض العرب المسيحيين وفي مقدمتهم بقايا الغساسنة ولجأ بعضهم الى لبنان والبعض الى فلسطين والبعض الى الكرك . وقد ذكر المؤرخ الشهير المرحوم جرجي زيدان في أحد أعداد مجلة " الهلال " لسنتها السابعة عشر صفحة 425 ان مشايخ بيت الخازن في لبنان ينتسبون الى أصل حوراني . وكذلك بيت مطران في بعلبك وزحلة هم في الأصل من جالية حوران . كما ذكر بيوتاً كثيرة في سورية تنسب الى حوران وبنوع خصوصي الى الغساسنة مثل بيوت جبارة وغنام وحوراني وعطية وشقير وطراد وصفير وغصن وغيرهم.

ويظهر أنه في نحو ذلك الوقت أيضاً نزحت بعض القبائل العربية من حوران ومن جهات الكرك الى فلسطين . فإن مسيحيي رام الله والطيبة وبير زيت وعين عريك وأهالي بيت جالا وبيت ساحور ينتسبون الى تلك البلاد . ولم نجد تعليلاً في التأريخ لهذا الارتحال الذي يكاد ان يكون اجماعيا او مشورة⟨؟⟩ سابقة سوى أحد أمرين : فإما ان تكون قد تدفقت عليهم قبائل جديدة من الصحراء فثقلت عليهم ورأوا ان لا قدرة لهم بمناوأتهم فارتحلوا . وأما ان يكونوا قد التحقوا بأخوانهم وحلفائهم من قبائل العرب المسلمين الذين جاء بهم صلاح الدين الأيوبي ومن قام بعده من ملوك المسلمين فأسكنهم في البلاد بعد ارتحال الصليبيين عنها وخلوها من السكان وهذا هو الأرجح . ومما يؤيد هذا القول ان حمولة الحددة في رام الله عندما ارتحلت من الكرك وجاءت الى فلسطين كان لهم حلفاء وأصدقاء من المسلمين هناك . وهم أهل البيرة الحاليين فلم يتركوهم ان يرحلوا وحدهم بل ارتحلوا هم أيضاً معهم وجاؤوا فسكنوا الى جانب بعضهم - الحددة في رام الله ومن جدهم الحداد تفرعت حمائل رام الله المعروفة اليوم - ودار القرعان ودار الطويل في البيرة . وما زالوا منذ ذلك العهد الى الآن يحسبون بعضهم أبناء عم.

أما أنساب المسيحيين في المدن فقد اختلط فيها الحابل بالنابل وكثيراً ما جرينا ان نقف على أنساب بعض البيوت الشهيرة فرأينا ولسوء الحظ ان معظمهم لا يعرفون عن أنسابهم شيئاً . بل ان بعضهم لا يعرف أكثر من جده او ابي جده . وقد جرب ذلك قبلنا من هم أطول باعاً وأكثر اطلاعاً اعني بهم المرحوم العلامة جورج زيدان صاحب مجلة الهلال والمؤرخ الشهير الاستاذ عيسى اسكندر المعلوف وغيرهما من الباحثين والمدققين فتوصلوا الى معرفة أنساب بعض البيوت الشهيرة في سوريا ولبنان . فقالوا ان بيوت هندية وخياط باشا وابكاريوس وورتبات وقرابيت وغيرهم يرجعون الى أصل أرمني كما تدل عليهم اسمارهم . وبيت أتيلا أصله من الاسبان . وبيت طاسو من الايطاليين . وبيت شرشل من الانكليز . وينتسب بيت كرم في أهدن ( جبل لبنان ) الى كولونيل فرنساوي وبيت طربية في طرابلس ينتسبون الى الفرنيساويين من زمن الصليبيين . ما عدا من تعرب منهم ولقب بلقب عربي . وقد ذكروا بيوتاً في سورية ترجع في أنسابها الى أصل يوناني مثل بيوت : يني وباولي وكتسفليس وباباذوبلوس وفيليبيس وأسماؤها تدل عليها . كما ان منها بيوت تبدلت أسماؤها بأسماء عربية وحفظت أنسابها عند أهلها كبيت مشاقة في دمشق فهم يرجعون بنسبهم الى يوسف بركي من كورفو في بلاد اليونان نزل طرابلس الشام وكان تاجرا بالمشاقة فعرف اسمه بها . وبيت مسرة فرع من أسرة يونانية نشأت في طرابزون جاء جدها الى دياربكر ثم الى حلب وتفرعت في دمشق ومصر.

ثم لما دخلت البلاد في حوزة الاتراك العثمانيين وانتشر الامن فيها جاء فلسطين كثيرون من الزوار اليونان والروس والسرب والبلغار والرومان وغيرهم وتوطنت عائلات كثيرة منهم في هذه البلاد وخصوصا اليونان . فمنهم من تعرب اسماً وفعلاً ومنهم من ظل حتى الآن محافظاً على لغته وجنسيته وعاداته . وقد جاء فلسطين وسوريا بعد الفتح التركي أجناس كثيرة أيضاً من الغرب من انكليز وفرنساويين وايطاليين واسبان وألمان وغيرهم الا أنه ندر في هذه المرة من اختلط منهم بأهل البلاد الاصليين

خلاصة القول ان أنساب النصارى في سورية وفلسطين الآن ترجع الى أنساب أصلية وأنساب دخيلة . فالأنساب الأصلية هي الآرامية . وأما الأنساب الدخيلة فهي العربية واليونانية . فالنسب العربي في السوريين والفلسطينيين قديم وعريق فيهم ولكن أكثره في شرق الشام وجنوبها وفي شرق الاردن وغربيه وبجوار غزة . وأما النسب اليوناني فأقدمه وأكثره شيوعاً على سواحل البحر المتوسط لأن اليونان جاؤوا سوريا وفلسطين واختلطوا بأهلها من أقدم أزمنة التاريخ وكانوا ينزلون شواطئها . وزاد نزوحهم بعد زمن الاسكندر حتى صارت هذه البلاد بلداً ثانياً لهم كما تقدم . وظلوا يتوافدون اليها بعد الفتح الاسلامي وما زالوا على ذلك الى الآن.

وأما سائر الأنساب النصرانية فمنها الأصول الأرمنية وهي كثيرة في سورية على الأخص . ومنها الأصول الافرنجية من الاسبان والايطاليين والأنكليز والفرنساويين وغيرهم من زمن الصليبيين . وقس على ذلك سائر الأمم المسيحية التي نزلت هذه البلاد إما بقصد التجارة او الزيارة فاختلطت بأهلها مثل الروس والكرج والبلغار والرومان والصرب وغيرهم مما يطول شرحه.

فالمسيحيون اذاً في سورية وفلسطين ليسوا عرباً من حيث النسب . ولكنهم يعدون عرباً لأنهم يتكلمون العربية وقد توالدوا في بلاد عربية وتخلقوا بأخلاق العرب . فسورية وفلسطين - وهي بلاد واحدة - أصبحت بعد الفتح العربي الاسلامي عربية لنزول العرب المسلمين فيها واتخاذها وطناً لهم . وقد نشروا فيها لسانهم وعاداتهم وآدابهم . فسكانها يعدون عربا وإن لم يرجعوا كلهم بأنسابهم الى قبائل العرب . والعرب بهذا الاعتبار ثلاث طبقات ( 1 ) : أهل البادية الذين ينتسبون الى القبائل العربية ولا يزالون محافظين على أنسابهم وفيهم المسلمون والمسيحيون ( 2 ) . العرب المسلمون الذين نزلوا الأرياف واختلطوا بغير العرب بالتزاوج وأندمج فيهم سواهم من الأمم الاسلامية غير العربية - كالأتراك والأكراد والفرس والجركس وغيرهم . وهؤلاء هم سكان المدن في سورية والعراق وفلسطين ومصر والمغرب عدا عمن اعتنق الاسلام من الأمم المسيحية المختلفة وخصوصاً من الصليبيين ثم تعربوا واندمجوا مع أهل المدن والقرى ( 3 ) . العرب العاربون وهم معظم المسيحيين من سكان هذه البلاد . وكثيرون يعدون عرباً باعتبار لغتهم وعاداتهم وآدابهم لا باعتبار أنسابهم.

وعلى هذا القياس يعدّ نصارى بر الأناضول الذين يتكلمون التركية أتراكاً مع ان أكثرهم من اليونان .

العدد القادم ( قصة حب بابلية )

صورة الصفحة — أصل المسيحيين في سورية وفلسطين ٤

اضغط على الصورة لفتحها بالحجم الكامل

→ العدد 607: أصل المسيحيين في سورية وفلسطين ٣
العدد 609: بيرم وتسبين ←