فهرس مقالات صوت العرب — Arab Voice Index
العدد 607 — ١٣ أيلول ٢٠٠٨

أصل المسيحيين في سورية وفلسطين ٣

The Origin of the Christians of Syria and Palestine, Part 3
منذ فجر التاريخ حتى الفتح العربي - بعد الفتح العربي الاسلامي
Arab Voice * Sep. 13th 2008 * Vol.(15) * Issue# 607 — صفحة 29
إعداد وتقديم / حنا عيسى توما / المؤسسة الأمريكية للدراسات السريانية * www.syriacstudies.com ** e-mail : hannaissa@gmail.com
This installment follows the Christians of Syria and Palestine after the Islamic conquest of 634: Christian Arab tribes who sided with the conquerors, the shift from Greek and Aramaic to Arabic as church and daily language, the burdens of the jizya tax, earthquakes and famines, the persecutions of the Fatimid caliph al-Hakim, and the Seljuk invasion on the eve of the Crusades.
نصّ منسوخ حرفياً عن صورة الجريدة كما طُبع. الكلمات المعلَّمة بـ ⟨؟⟩ غير واضحة في الأصل المطبوع.Transcribed verbatim from the newspaper scan. Words marked ⟨؟⟩ are unclear in the original print.

-القسم الثاني-

سورية وفلسطين بعد الفتح العربي الاسلامي

زحف العرب على سورية وفلسطين سنة 634 م . أي بعد غزوة الفرس بعشرين سنة . وكانت البلاد متضعضعة الأحوال لم تسترجع قواها بعد من شدة تلك الضربة المؤلمة التي ذاقتها من الفرس . وكان سكان البلاد في ذلك الوقت من جهة الديانة كلهم مسيحيون ما خلا عدد ضئيل من اليهود والسمرة . وأما من جهة اللغة فكانوا يقسمون الى ثلاثة أقسام : فسكان السواحل كلهم تقريباً على طول الخط كانوا يتكلمون اللغة اليونانية . وسكان الجنوب والشرق مما يلي البادية كانوا يتكلمون العربية . وأهل الشمال مع سكان أواسط البلاد كانوا يتكلمون الآرامية . فلما زحف العرب المسلمون على البلاد بجموعهم وقفت في بادئ الأمر القبائل العربية المتنصرة في سورية وفلسطين الى جانب جيش الروم وقاتلوا المسلمين . وقد ذكر جيبون المؤرخ الشهير ان بين المئة والخمسين ألف مقاتل الذين جمعهم الروم لصد العرب عن التوغل في البلاد كان ( 60 ) الف جندي عربي مسيحي بقيادة جبلة بن الأيهم آخر ملوك الغساسنة . وقال مؤرخوا العرب أنه لما وصل خالد بن الوليد قائد جيوش المسلمين الى تيماء صدمه الروم بجموع أكثرها من العرب المتنصرة ( بهراء وتنوخ ولخم وسليم وجذام وغسان ) . إلا ان جامعة اللغة والجنس عادت فرجحت على جامعة الدين ولذلك مد العرب المسيحيون أيديهم الى العرب المسلمين فتصافح الفريقان وانضم المسيحيون الى اخوانهم الاسلام فشاركوهم في محاربة الروم في سورية وفلسطين كما شاركوهم في محاربة الفرس في العراق فعرف لهم المسلمون فضلهم في ذلك . ولما هموا بوضع الجزية على أهل الذمة بعد الفتح أبت قبائل تغلب وإياد وانمار أداءها . وبلغ عمر بن الخطاب ذلك فاستشار أصحابه فقال له بعضهم " انهم عرب مثلنا يأنفون من الجزية وهم قوم لهم نكاية فلا تعن عدوك عليك " . فوافق ذلك ما في نفسه ففرض عليهم الصدقة كما تفرض على المسلمين . وكان عمر شديد المحافظة على الجامعة العربية لا يأذن للعرب النصارى في التوغل ببلاد الروم وإذا فعلوا استرجعهم وخاطب ملك الروم بشأنهم لأنه يرى ذلك حقاً له . فقد ذكروا ان الوليد بن عقبة لما سار لفتح العراق والجزيرة انضم اليها عربها النصارى الا قبيلة إياد فانهم تحملوا⟨؟⟩ الى بلاد الروم فكتب الوليد الى عمر بذلك فكتب عمر الى ملك الروم يقول " بلغني ان حياً من أحياء العرب ترك دارنا وأتى دارك فوالله لتخرجنه أو لنخرجن النصارى اليك " فأخرجهم ملك الروم . ويظر ان العرب المتنصرين في أبان حكم الروم لم يكونوا مرتاحين الى ذلك الحكم فقد ذكر البلاذري وأيد أقواله بعض مؤرخي الافرنج ان أول مدينة فتحها المسلمون في فلسطين كانت غزة . وأسباب فتحها انه كان يسكن وقتئذ في جنوب غزة قوم من قبائل العرب المتنصرين وكان قد أصابهم من قبل ولاة الروم عسف وجور . فالتجأوا الى عساكر المسلمين ودعوهم الى فلسطين فلبوا دعوتهم وزحفوا على غزة في 4 شباط سنة 634 م وظفروا بجيش الروم وفتحوا المدينة وبعد أيام قليلة أتموا فتح بقية مدن فلسطين ( راجع كتاب فتوح البلدان للبلاذري صفحة 109 ) .

ولما رسخت قدم العرب في سورية وفلسطين أخذ عدد المتكلمين باللغتين اليونانية والآرامية يتضائل شيئاً فشيئاً . فإن الخليفة عثمان بن عفان قد طرد الروم من مدن ساحل فلسطين ونقل العرب اليها فسكنوا فيها . ولما أفضت الخلافة الى عبدالملك بن مروان منع استعمال اللغات الأجنبية في دواوين الحكومة . وجعل اللغة العربية اللغة الرسمية الوحيدة ليس في سورية وفلسطين فقط بل في العراق ومصر وبلاد فارس وفي سائر الأقطار التي كان العرب قد استولوا عليها حتى ذلك التاريخ . ناهيك بتشديده وتشديد غيره من الخلفاء والحكام على المسيحيين في أوقات مختلفة بعدم استعمال لغة أخرى غير العربية .

ومن المعلوم ان العرب بعد ان استولوا على هذه البلاد قد هاجموا قبرص وكريت ورودس واخذوا يهاجمون عاصمة الروم فيها بين آونة وأخرى . وكانوا كلما فشلوا يشددون النكير على مسيحيي سورية وفلسطين ولا يسمحون لهم بإستعمال لغة أخرى غير العربية حتى في كنائسهم خوفاً من ان يكونوا عيوناً عليهم وينقلوا أخبارهم للروم . وكان المنصور العباسي أشد الخلفاء السابقين تدقيقاً من هذه الجهة . فلم يكتف بإصدار الأوامر المشددة بل أمر بترجمة الكتب الكنائسية اليونانية جميعها الى العربية وحظر على البطاركة والأساقفة وسائر رجال الاكليروس بمنتهى الشدة استعمال أية لغة غير العربية . فأصبحت بعد عهد ذلك الخليفة اللغة العربية والحالة هذه لغة الكنيسة والشعب معاً . ولذلك أصبحنا نرى بعد ذلك التاريخ مؤلفات دينية عربية لا يزال الشيء الكثير منها محفوظاً في مكتبة دير الروم الأرثوذكس بالقدس وفي مكتبة كنيسة مار يعقوب الكاتدرائية فيها وفي مكتبة دير الصليب "المصلبة" حيث عدد المجلدات العربية المخطوطة " 150 " مجلداً بينها الأناجيل الأربعة التي كتبت في القرن الحادي عشر للميلاد - وفي مكتبة دير طور سيناء حيث عدد المجلدات العربية " 602 " - ( مجلة النعمة السنة الأولى الجزء الثاني ) وفي مكتبة دير صدنايا بسورية وفي غيرها من المكاتب عدا ما نقل منها الى مكتبة الفاتيكان والى غيرها من مكاتب اوروبا الشهيرة.

ولكن الجزية التي فرضت في بادئ الأمر على غير العرب من المسيحيين ما لبثت ان تناولت العرب ولم يستثن منها أحد حتى ولا رجال الدين في أيام بعض الخلفاء - من جهة . والزلازل المريعة التي كانت تجتاح سورية وفلسطين في ذلك العهد بين آونة وأخرى كانت من أشد العوامل على تأخر النصرانية في هذه البلاد وتقليل عدد المسيحيين فيها وهدم كثير من الأديرة والكنائس التي لم تقم لها قائمة حتى اليوم . ففي أواخر أيام الدولة الأموية في أثناء خلافة مروان الثاني ( 744 - 750 ) م . داهمت سورية وفلسطين زلزلة مريعة هدمت عدة كنائس وأديرة وبيوت ومات ألوف الناس تحت الردم وكان بعض الخلفاء لا يأذنون بإعادة بناء كنيسة قد تهدمت أو دير ما لم يكن قد ذكر ذلك المكان في العهدة العمرية . وفي سنة 861 م جاء الروم وحاصروا دمياط باسطولهم فاندفع بعض المتطرفين من المسلمين لمناوأة المسيحيين واعتدوا على بعضهم وهدموا بعض الكنائس والأديرة في وادي الاردن وغيره وأحرقوا مدينة "عسقلان " . وقد حدثت زلزلة مريعة في تلك السنة عقب تلك الحوادث تهدم من جرائها عدة كنائس وأديرة وبيوت وقتل فيها خلق كثير فكانت ضربة فوق ضربة . ومما زاد الطين بلة وأودى بحياة كثيرين من أهالي سورية وفلسطين كانت المجاعة الشديدة التي أعقبت الزلزلة في تلك السنة .

ومع أن الضيق كان عمومياً إلا ان نصيب المسيحيين منه كان أوفر من سواهم لأنهم رغماً عن تلك الحالة كانوا مضطرين ان يدفعوا الجزية وقيمتها أربعة دنانير ذهباً عن كل نفس سنوياً . فالعائلة المؤلفة من عشرة أنفس مثلاً كانت مضطرة الى دفع أربعين ديناراً ذهبياً في السنة . وهذه القيمة في تلك الأيام لم يكن وجودها سهلاً بل كانت تعد ثروة . فكيف بها اذا جاءت ومعها الزلازل والمجاعة ؟ ولذلك نرى ان كثيرين من المسيحيين في تلك الأيام اضطروا ان يلجأوا الى الروم كما اضطر بعضهم ان يعتنق الاسلام للتخلص من دفع الجزية . ومن يطالع تاريخ الكنيسة يرى ان هذه الجزية كانت دائماً هي السبب الأكبر في اعتناق كثيرين من مسيحيي هذه البلاد الدين الاسلامي أر رحيلهم الى بلاد الروم . ففي زمن الخليفة معاوية حينما هاجم العرب عاصمة الروم واغتنم الفرصة مردة جبل لبنان وزحفوا على فلسطين استشاط هذا الخليفة غضباً وشدد في تحصيل الجزية من المسيحيين . فاستعمل بعض الحكام والجباة القسوة في تحصيلها منهم ولذلك تهافتوا على اعتناق الاسلام تهافتاً شديداً حتى كادت خزينة الدولة تخلو من المال فاضطر الخليفة ان يصدر أوامره الى جميع حكام المقاطعات بعدم قبول المسيحيين في الاسلام . ويقال ان عدد المسيحيين في فلسطين بعد هذه الحوادث قد نزل الى ( 43 ) ألف نسمة فقط ( راجع تاريخ خريسوستومس صفحة 255 ) .

ولكن لا هذا ولا ذاك يعدّ شيئاً مذكوراً بالنسبة الى ما أصاب المسيحيين في عهد الحاكم بأمر الله الفاطمي مدة عشر سنوات متوالية من سنة 1007 - 1017 م . فقد راجت اشاعة في الغرب مآلها ان نهاية العالم ستكون في تمام الألف سنة لميلاد المسيح . ولذلك تقاطر عدد عظيم من مسيحيي الغرب الى فلسطين وسكن عدد كبير منهم القدس وهم يرقبون نهاية العالم ويقولون ان مركز الدينونة سيكون في اورشليم فلما كانت سنة 1007 م ولم يحدث شيء اغتنم اليهود هذه الفرصة فأوغروا صدر الحاكم بأمر الله على المسيحيين فشرع في اضطهادهم . فهدم كنيسة القيامة وسائر الكنائس والأديرة في القدس وفي كل فلسطين وسلب جميع أوانيها وأموالها واستولى على أملاكها الموقوفة عليها . وبعد ان بطش بكثيرين من رجال الدين وغيرهم وخصوصاً الأجانب الغى الأعياد وأبطل الصلوات وأمر المسيحيين ان يلبسوا ثياباً سوداء تمييزاً لهم عن سواهم . وأن يعلقوا في أعناقهم صلباناً من خشب طول كل منها ذراع واحد . واشتدت وطأت الاضطهاد خصوصاً على غير العرب من المسيحيين فأمر ان يحرق بسفافيد الحديد المحمية على النار لسان كل من نطق بغير العربية من المسيحيين . فدخلت في الاسلام في غضون ذلك مدن وقرى برمتها وهرب كثيرون من المسيحيين خلسة الى بلاد الروم . ثم انقلب ضد اليهود فشرع في اضطهادهم وأمرهم ان يعلقوا في أعناقهم جلاجل وأن يلبسوا وجوهاً مصنعة كوجوه العجول بحجة ان اجدادهم عبدوا العجل في البرية . وكأن هذا الرجل أصيب بمس من الجنون حتى ان المسلمين أنفسهم لم يسلموا من شره وأذيته بل عذب وقتل كثيرين منهم لأسباب تافهة . ولكنه عاد فجأة في سنة 1017 م فأمر بالكف عن اضطهاد المسيحيين وسمح لهم بإعادة بناء الكنائس وأعاد اليها الأملاك الوقفية التي كان قد استولى عليها . فنزع المسيحيون ثياب الحداد واتخذوا يوم ذلك الانقلاب الفجائي عيداً كانوا يعيدونه كل سنة.

ولم ترخ⟨؟⟩ البلاد مدة طويلة بعد هذه الحوادث بل كأن المصائب والرزايا تحالفت على رؤوس أهلها منذ فجر التاريخ حتى الآن . فإنه بعد مرور ستين عاماً على هذه الحوادث اي في سنة 1076 م اجتاح السلاجقة فلسطين فعاث جيشهم في الارض فساداً ناهباً ومخرباً وقاتلاً كل من ساقه حظه العاثر للوقوع بين أيديهم . حتى أنهم لم يكفوا عمن عاذ بالمسجد الاقصى من أهل بيت المقدس بل اكتفوا بالكف عمن عاذ بالصخرة فقط . وقد وقف المسلمون والمسيحيون الى جانب بعضهم متظافرين لصد هذه الغارة عنهم فلم يفلحوا . وفي سنة 1078 م عاد الفاطميون فاسترجعوا البلاد من أيدي اولئك الغزاة الذين بطشوا بالمسيحيين والمسلمين على السواء . الا ان العراك ظل مستمراً بين هاتين الدولتين الى ان باغتهم الصليبيون وهم منهوكوا القوى جميعاً فاستولوا على البلاد.

البقية في العدد القادم

صورة الصفحة — أصل المسيحيين في سورية وفلسطين ٣

اضغط على الصورة لفتحها بالحجم الكامل

→ العدد 606: أصل المسيحيين في سورية وفلسطين ٢
العدد 608: أصل المسيحيين في سورية وفلسطين ٤ ←