فهرس مقالات صوت العرب — Arab Voice Index
العدد 606 — ٦ أيلول ٢٠٠٨

أصل المسيحيين في سورية وفلسطين ٢

The Origin of the Christians of Syria and Palestine, Part 2
منذ فجر التاريخ حتى الفتح العربي- بعد الفتح العربي الاسلامي
Arab Voice * Sep. 06th 2008 * Vol.(15) * Issue# 606 — صفحة 29
إعداد وتقديم / حنا عيسى توما / المؤسسة الأمريكية للدراسات السريانية — www.syriacstudies.com ** e-mail : hannaissa@gmail.com
The study continues with the Christian Arab kingdoms of the Ghassanids and Lakhmids and the spread of Christianity across Syria, Palestine, and Arabia before Islam. It documents Arab bishops at the ecumenical councils, Arab patriarchs of Jerusalem, monasteries that prayed in Arabic, and the sixty bishoprics of the region, before recounting the devastating Persian invasion of 614.
نصّ منسوخ حرفياً عن صورة الجريدة كما طُبع. الكلمات المعلَّمة بـ ⟨؟⟩ غير واضحة في الأصل المطبوع.Transcribed verbatim from the newspaper scan. Words marked ⟨؟⟩ are unclear in the original print.

وفي أواسط القرن الثالث للميلاد . يوم كانت دولة تدمر لا تزال زاهية زاهرة ظهر على حدود الشام والعراق أجيال جديدة من العرب وهم دولة اللخميين أو المناذرة في الحيرة الذين اتخذهم الفرس حلفاء لهم . يردون غارات اخوانهم أهل البادية . أو ينصروهم في الحروب التي كانت تنشب بينهم وبين الروم قبل الاسلام بين آونة وأخرى . ودولة الغساسنة في بصرى اسكي شام الذين اتخذهم الروم حلفاء لهم للسبب عينه . فأقام حلفاء الفرس على شواطئ الفرات . وحلفاء الروم في حوران . وكانوا كلما نشبت الحرب بين الروم والفرس تجند الغساسنة للروم والمناذرة للفرس ودافع كل منهما عن أصحابه وحلفائه دفاع المستميت . ومن جراء ذلك وقعت العداوة المرة بين هاتين الدولتين العربيتين المسيحيتين . وظلت تلك العداوة مستمرة رغماً عن تنصر الدولتين.

فسكان الشام والعراق عند ظهور الاسلام كان معظمهم من بقايا الآراميين الأصليين في الشمال والشرق واليهود والسامريين في الجنوب وبقايا الأنباط في الجنوب الشرقي يليهم العرب الغساسنة والمناذرة ثم قبائل اياد ونمر وربيعة بين النهرين ويتخلل هذا المجموع شتات من ام أخرى كالجراجمة في جبل اللكام والجرامقة في الموصل وأخلاط من مولدي اليونان والرومان على الشواطئ ومولدي الفرس والأكراد في الشمال .

ولا شك ان الديانة المسيحية كانت قد انتشرت في سورية وفلسطين وبلاد العرب والعراق الغربي قبل الفتح الاسلامي انتشاراً كبيراً وبنوع أخص في فلسطين . فإنه على أثر الاضطهاد الذي ثار ضد الرسل في اورشليم قبل خرابها وعلى أثر رجم مار استفانوس تشتت التلاميذ في أماكن عديدة من فلسطين وسورية والعراق وبلاد العرب . وكانوا حيثما ذهبوا يكرزون بالانجيل . وآمن كثيرون من أهل تلك البلاد بالمسيح وقد أطلقت كلمة "مسيحيين" على أتباع السيد المسيح للمرة الأولى في انطاكية .

ومن المعلوم ان سمعان اسقف اورشليم والمؤمنين الذين كانوا فيها سنة 70 م عندما ابتدأت ثورة اليهود ضد الرومان لجأوا الى مدينة " بيلا " على ضفة الاردن الشرقية مقابل بيسان . وأقاموا فيها حتى شرع الرومان في بناء اورشليم ثانية باسم " ايليا كابيتولنيا " بعد ان مكثت ستين سنة ينعق فيها البوم . فعندئذ أخذوا يعودون اليها وكان ذلك سنة 134 م . ولاشك انهم أثناء وجودهم في تلك البلاد قد اشتغلوا في التبشير بالانجيل كما ان الذين ظلوا منهم في مدينة بيلا بقوا مستمرين في الكرازة والتبشير . كما ان أساقفة اورشليم أيضاً بعد رجوعهم اليها لم يكونوا فيها مكتوفي الأيدي مكمومي الأفواه . بل رغما عن الاضطهادات المتوالية عليهم لم يكونوا ليفتروا او يملوا من التبشير والكرازة . مما جعلنا نسمع عن إنشاء عدة اسقفيات في تلك الأعصر في كل من سورية وفلسطين وفي أشهر المدن وأهمها . بعض هذه المدن لا يزال باقياً والبعض الآخر أصبح خراباً . ونقرأ في تاريخ الكنيسة ان هرمون اسقف اورشليم الذي رقي الكرسي سنة 300 م قد سام عدة أساقفة وأرسلهم للتبشير بالانجيل في أماكن مختلفة من سورية وفلسطين وشرق الاردن والعراق وبلاد العرب . كما ان القديس ايلاريون صديق القديس انطونيوس الكبير قد أسس ديراً في تلك الأثناء بقرب غزة في المكان المعروف الآن ( بدير البلح ) فكان أول دير تأسس في فلسطين . وقد اهتدى بواسطة وعظه وسيرته هو ورهبانه كثيرون من الوثنيين وقبائل برمتها من العرب الذين كانوا يخيمون في تلك الربوع . ونظراً لما حل بالمسيحية من الاضطهادات في القرون الثلاثة الأولى لم يستطع التاريخ الكنسي ان يفيدنا مفصلاً عن الذين تنصروا والذين لم يتنصروا من العرب او من سواهم في تلك الأيام المظلمة.

ولكن بعد تنصر قسطنطين ورفع الاضطهاد عن المسيحيين ظهرت عدة اسقفيات في فلسطين وسورية وشرق الاردن وظهرت بينهم أسماء أساقفة من العرب . وأصبح التاريخ يذكر أسماء كثيرين منهم في مناسبات عديدة . ففي المجمع المسكوني الثالث الذي عقد في أفسس سنة 431 م نرى أنه كان بين المئتي عضو الذين تألف المجمع منهم اسقفان عربيان هما : بطرس اسقف القبائل العربية التي كانت منازلها في ( الغور ) بالقرب من بحيرة لوط وسعيد الوافدي اسقف جدرة ( المعروفة الآن بخربة ام قيس في شرقي الاردن ) ( تاريخ العلامة خريسوستومس متروبوليت أثينا صفحة 159 ) . هذا عدا بقية الأساقفة الذين حضروا هذا المجمع والمجمعين السابقين من سوريين وفلسطينيين . ولم نستطع ان نجزم ان كانوا عرباً أم لا . نظراً لتغيير الأسماء . لأنه كما ان شاؤول غير اسمه بعد ان تنصر وصار يسمى بولس هكذا درجت العادة بين المسيحيين الأقدمين ان يغيروا أسماءهم عند اعتناقهم النصرانية وكانوا دائماً يفضلون أسماء الأنبياء والقديسين والشهداء الذين استشهدوا في القرون الثلاثة الأولى وأكثرها أسماء عبرانية ويونانية ورومانية . لذلك نلاحظ ان بطرس اسقف القبائل العربية العربي القح قد سمى ابنه وخليفته " افكسيلاوس " وحفيده "يوحنا" . ونستطيع ان نتأكد صحة ذلك مما⟨؟⟩ نراه اليوم في الكرسي الانطاكي وفي الكنيسة الكاثوليكية العربية حيث لا نسمع إلا أسماء عبرانية ويونانية ورومانية كغريغوريوس وجراسيموس ومارينيوس وميصائيل وصموئيل مع أن أصحابها عرب قلباً وقالباً.

ولما كان للأسماء علاقة كبرى بالجنسية - على نحو ما يقولون ان الأسم تاريخ - لذلك نلاحظ ان المؤرخ اليوناني الشهير بافلوس كاروليندس مبعوث ازمير في البرلمان العثماني في كتابه الذي ألفه وبحث فيه عن أصل المسيحيين في سورية وفلسطين قد أنكر وجود عرب مسيحيين رغماً عن ورود أسماء كثيرين منهم في تاريخ الكنيسة وبين أعضاء المجامع المسكونية نفسها . مستنداً في إنكاره على أسماء الأشخاص والمدن . ولكن رغماً عن هذا الإنكار نرى ان كثيرين من المؤرخين الكنائسيين المتقدمين والمتأخرين يجاهرون بوجود بطاركة وأساقفة وقسوس ومتوحدين ونساك من العرب . كما أنهم لا ينكرون وجود كنائس عربية كانت تستعمل في صلواتها اللغة العربية منذ أقدم أزمنة التاريخ المسيحي فإن القديس ثيودوسيوس الذي نبغ في أواخر القرن الخامس قد بنى ديرا - هو الدير المعروف الآن بدير أبي عبيدة - فيه أربع كنائس كان كل فريق من رهبان ذلك الدير وعددهم (700) نفس يقيم الصلاة في كنيسته بلغته الخاصة وفي جملتهم رهبان العرب يصلون في كنيستهم بالعربية ( راجع دليل الأرض المقدسة للأرشمندريت بنيامين . )

والبطريرك الاورشليمي ذوسيتارس⟨؟⟩ يقول في تاريخه أنه في سنة 494 م رقي كرسي البطريركية الاورشليمية البطريرك ايليا العربي وكان أصله من نجد وهو الذي أسس دير الروم الكبير الحالي . وفي سنة 525 م رقي هذا الكرسي البطريرك بطرس العربي من بيت جبرين . وفي تلك الأثناء كان المتوحد ( مارن ) اخو بطرس اسقف القبائل العربية المذكورة آنفاً رئيساً لدير القديس افتيميوس ( هو مقام النبي موسى الحالي . )

وفي سنة 513 م نبغ القديس كيرلّس الشهير وأخذ يكتب تراجم بعض القديسين الذين اشتهروا في هذه البلاد مثل مار سابا وافتيميوس وثيودوسيوس وجراسموس وغيرهم . والذي كان يمده بالمعلومات الوافية من اولئك القديسين هو تريفون بن بطرس اسقف القبائل العربية . وقد ذكر البستاني في الجزء الحادي عشر من دائرة المعارف ( ص 355 ) عن رهبان طور سيناء أنهم كانوا عرباً من بني صالح . كما ذكر خريسوستوموس ميتروبوليت اثينا في تاريخه عن دير بصرى في حوران ان رهبانه كانوا عرباً من بني صادر.

وجملة القول ان فلسطين وسورية والعراق وبعض بلاد العرب من السنة التي تنصر فيها قسطنطين وهي سنة 325 م واعتبر النصرانية دين المملكة الرسمي ورفع الاضطهاد عن المسيحيين الى سنة 614 م وقد تنصر معظم الأهالي فيها فلم يبق إلا بعض اليهود والسمرة في فلسطين وبعض عبدة الأوثان من اليونان والرومان في بعض أنحاء سورية وفلسطين . وقد امتازت فلسطين عن سورية بكثرة الأديرة والكنائس والمناسك والملاجئ والمستشفيات وبكثرة المهاجرين اليها من اليونان والرومان ومن الذين كانوا يحضرون لزيارة الأماكن المقدسة . فلا يلبثوا ان يقيموا فيها حتى يندمجوا في أهلها . وبين هؤلاء المهاجرين نقرأ أسماء كثيرين من الامراء والملوك والملكات والأميرات والأغنياء العظام الذين تبرعوا فأقاموا الملاجئ والمعاهد الخيرية وشيدوا الأديرة والكنائس والمدارس من أموالهم الخاصة . واوقفوا جزءاً من أملاكهم وأموالهم على كنائس فلسطين وأديرتها وفقرائها . لذلك نرى ان الكرسي الاورشليمي وحده في تلك الأثناء كان مؤلفاً من ستين اسقفية . بينها اسقفية الفثروبولس ( بيت جبرين ) وشارون ( سارونه ) وعسقلان وميومة ( الآن خرية⟨؟⟩ المنية قرب غزة ) ولببلاخية ( الآن لببلوخية قرب غزة ) وذيوقيصرية ( صفورية ) وقيسارية فلسطين وسبسطية ( قرب نابلس ) وبيت ايل ( قرب راملله ) وبصرى في حوران وجرش وبيسان وبطره ( وادي موسى ) وجدره ( خربة ام قيس في شرق الاردن ) وفيلادلفيا ( عمان ) وفيكوبولس ( عمواس ) وخرية⟨؟⟩ سوق مازن قرب بني سحيلة في شرق الاردن . وغيرها من الأماكن التي لا يزال قسم كبير منها مجهول الموقع حتى الآن . هذا عدا الاسقفيات التي لا تزال عامرة وفيها عدد من المسيحيين مثل اسقفيات الناصرة وبتولمايوس ( عكاء ) ويافا واللد وغزة وبيت لحم والكرك ومأدبا وعجلون ونابلس.

ولكن غزوة الفرس الشهيرة التي سبقت الفتح العربي الاسلامي بمدة قصيرة قد جعلت معظم الاسقفيات أثراً بعد عين . فإنه فيما كان النصارى في سورية وفلسطين مشتغلين بالمجادلات والمحاورات الدينية والحكومة تارة تنصر لهذا الحزب وطوراً لذلك والملوك والحكام يتداخلون في الشؤون الكنائسية واذا بالفرس قد هجموا على سورية وفلسطين هجمة غزو ونهب وذبح لا هجمة احتلال . وقد عجزت الحكومة عن صدهم فاجتاحوا البلاد من أقصاها الى أقصاها وهم يخربون ويدمرون وينهبون ويقتلون كل من ساقه حظه العاثر للوقوع بين ايديهم . ولما وصلوا القدس هدموا كنيسة القيامة التي كان قد بناها قسطنطين وأمه هيلانه عندما تنصرا كما هدموا سائر الأديرة والكنائس وقسماً كبيراً من المدينة وفتكوا بكثيرين من الرهبان ومن الأهالي المسيحيين . وقد عثر بعضهم على مخطوطات عربية وكرجية لا تزال حتى الآن محفوظة في مكتبة دير الروم بالقدس تنبئ بفظاعة تلك الغزوة . وتقدر المخطوطات العربية عدد القتلى المسيحيين في القدس وحدها ( 55866 ) نفساً . وأما الكرجية فتقدرهم ( 67314 ) نفساً . وتذكر هذه المخطوطات عدد القتلى من كل حي على حدة . وقد كان أكثر بطشهم في الأديرة والكنائس والرهابين ورجال الدين ولا تزال حتى اليوم جماجم الرهبان الذين قتلوا في دير مار سابا محفوظة في كهف في كنيسة قديمة هناك باسم القديس نيقولاوس ركمة واحدة تشهد بفظاعة اولئك الغزاة وقسوتهم . ولما كان سكان الساحل قد افلتوا من أيدي هؤلاء الطغاة فلم تصل اليهم أيدي التقتيل والتخريب لذلك نراهم لم يقفوا مكتوفي الأيدي بل مدوا أيدي المساعدة لاخوانهم المنكوبين وتبرعوا بإعادة بناء كنيسة القيامة وغيرها من الكنائس والأديرة . فهذه الضربة الشديدة التي حلت بمسيحيي فلسطين وسورية فضلاً عما أحدثته من الخراب والدمار والرجوع بالبلاد مئات السنين الى الوراء فقد جرفت الشيء الكثير من أخبار اولئك المسيحيين وآثارهم ومخطوطاتهم

البقية في العدد القادم

صورة الصفحة — أصل المسيحيين في سورية وفلسطين ٢

اضغط على الصورة لفتحها بالحجم الكامل

→ العدد 605: أصل المسيحيين في سورية وفلسطين ١
العدد 607: أصل المسيحيين في سورية وفلسطين ٣ ←