فهرس مقالات صوت العرب — Arab Voice Index
العدد 605 — ٣٠ آب ٢٠٠٨

أصل المسيحيين في سورية وفلسطين ١

The Origin of the Christians of Syria and Palestine, Part 1
منذ فجر التاريخ حتى الفتح العربي - بعد الفتح العربي الاسلامي
Arab Voice * August 30th 2008 * Vol.(15) * Issue# 605 — صفحة 29
إعداد وتقديم / حنا عيسى توما / المؤسسة الأمريكية للدراسات السريانية www.syriacstudies.com ** e-mail : hannaissa@gmail.com
First installment of a historical study tracing the peoples of Syria and Palestine from the Stone Age to the Arab conquest. It surveys the Semitic migrations, including the Arameans, Phoenicians, and Hebrews, and the successive Hittite, Egyptian, Assyrian, Persian, and Greek dominations, with special attention to Hellenization under Alexander and the Arab kingdoms of the Nabataeans and Palmyra.
نصّ منسوخ حرفياً عن صورة الجريدة كما طُبع. الكلمات المعلَّمة بـ ⟨؟⟩ غير واضحة في الأصل المطبوع.Transcribed verbatim from the newspaper scan. Words marked ⟨؟⟩ are unclear in the original print.

-القسم الأول-

منذ فجر التاريخ حتى الفتح العربي

كانت هذه البلاد في العصر الحجري ، أعني قبل الميلاد بثلاثة آلاف وخمس مئة سنة ق . م مأهولة بأقوام غير ساميين كما نطقت بذلك الآثار المكتشفة حديثًا في عدة أماكن من سورية وفلسطين وغيرهما . وخصوصاً في قرية جازر ( وهي قرية ابو شوشة قرب الرملة ) . وبعد ألف سنة من هذا التاريخ أي حوالي الفين وخمس مئة ق . م تدفق عليها سيل عرم من سكان العراق وأواسط جزيرة العرب فنزلوا فيها وعمروها وشادوا فيها المدن . وقد كانت مساكن الساميين من الشمال الى الجنوب حسب الترتيب الآتي :

الآراميون ( وهم السريان والكلدان ) فالفينيقيون فالعبرانيون فالأنباط . وقد خالطتهم أم شتى من سامية وغير سامية أقامت بين أظهرهم في بقاع مختلفة من البلاد كالكنعانيين والفلسطينيين والأدوميين وغيرهم ، هذا عدا بقايا الشعوب الأصلية مما يطول بيانه.

على أن مركز هذه البلاد الجغرافي جعلها عرضة لمطامع الفاتحين من الأمم القديمة كالحثيين والمصريين والآشوريين والفرس وغيرهم . فكانوا يتناوبون فتحها او اكتساحها فتتقاطر شعوبهم اليها وكثيرا ما تندمج تلك الشعوب بالسكان الأصليين . فالحثيون الذين كانت لهم مملكة مؤسسة في شمال سورية وفي آسيا الصغرى هاجمت قبيلة منهم فلسطين نحو القرن السابع عشر ( قبل الميلاد ) وسكنت بين القدس والخليل وكثيراً ما امتدوا شمالا الى قرب نابلس.

وتسلط المصريون على فلسطين وعلى بعض أقسام سورية في أواخر القرن السادس عشر قبل المسيح ودامت سلطتهم نحو ثلاثة قرون ( ما عدا مدتين طويلتين تخللت تلك القرون الثلاثة ) . والظاهر أنهم لم يكونوا ميالين الى البقاء في هذه البلاد نظراً لاختلاف⟨؟⟩ هوائها عن وادي النيل . بل كان احتلالهم لها ناشئاً عن تخوفهم⟨؟⟩ من غزوة أخرى تأتيهم عن طريق سورية وفلسطين كغزوة ( الهكسوس ) التي اكتسحت بلادهم . ودرءاً لما قد يفاجئها⟨؟⟩ من الغزوات إلا . ولذلك نجد أنهم لم يحاولوا نشر تمدنهم وآدابهم في هذه البلاد وكانوا يستعملون في كتاباتهم الرسمية اللغة البابلية . ثم تدفق من الصحراء على فلسطين سيل من الغزاة أكثرهم من الآراميين والعرب وذلك حوالي سنة 1360 ق . م وامتزجوا بالسكان الأصليين فقويت شوكتهم بهم واستطاعوا ان يتحرروا بمساعدتهم من نير المصريين . واحتلت دولة الآشوريين قسماً من فلسطين وكذلك دولة البابليين احتلت قسماً آخر . إلا ان كلا الاحتلالين لم يكن إلا بمثابة الغزوات التي لا تزال تقوم بها بعض القبائل حتى الآن في بعض الجهات . ولم يكن نصيب فلسطين من تينك الغزوتين إلا التقتيل والتخريب والتدمير والسبي . وقد دخلت فلسطين في حوزة الفرس في زمن كورش الكبير الذي أسس مملكته على أنقاض مملكتي بابل وآشور سنة 529 ق . م ولكن رغماً عن هذا الاحتلال الذي دام مدة قرنين كاملين لم يترك الفرس آثاراً تذكر في هذه البلاد.

ولكن احتلالاً آخر عقب احتلال الفرس وهو احتلال اليونان تحت قيادة ملكهم الاسكندر الكبير المكدوني المعروف عند العرب بذي القرنين . الذي ترك آثاراً هامة في كل بقعة من سوريا وفلسطين وشرقي الأردن وفي غيرها من البلاد . ولا تزال الحفريات تظهر لنا منها بين آونة وأخرى ما يحير الألباب . ان هذا القائد العظيم فتح هذه البلاد في أوائل الربع الثاني من القرن الرابع قبل الميلاد وأوغل فيها . وأول هم كان له كان نشر الروح اليونانية والآداب والعلوم اليونانية فيها . ولما توفي اقتسم قواده مملكته من بعده وبذلوا كل جهودهم في تصيير البلاد التي استولوا عليها يونانية بكل معنى الكلمة . ولذلك فتحوا باب الهجرة لبني قومهم على مصراعيه فتوافد الى هذه البلاد كثيرون منهم وأقاموا فيها واختلطوا بأهلها . وقد كثر تدفقهم اليها على الخصوص بعد ظهور النصرانية كما سنرى . ورغم كون البلاد قد دخلت بعد هذا الاحتلال بمئتين وتسع وستين سنة ( 269 ) في حوزة الرومان فإن اللغة الرومانية لم تستطع رغماً عن عظمتها وعظمة الدولة التي كانت تشد أزرها ان تحل محل اللغة اليونانية التي نشرها وعممها خلفاء الاسكندر السلوقيون والبطالسة أو ان تزاحمها مزاحمة الند للند . بل ظلت اللغة اليونانية ذات المقام الأول بين خاصة السكان على الأخص وكانت منزلتها آنذاك تشبه منزلة اللغتين الفرنسية والانكليزية في الوقت الحاضر.

خضعت سوريا بعد موت الاسكندر لدولة السلوقيين . وخضعت فلسطين للبطالسة حكام مصر فانفصلت بذلك سوريا عن فلسطين مدة قرن وربع الى ان قام انطيوخوس الرابع ملك سوريا سنة 198 ق . م وضمّ فلسطين الى سوريا بعد معارك دامية . وقد كانت المدة التي خضعت فيها فلسطين للبطالسة مدة هدوء وسلام . ولكن بعد دخولها في حوزة السلوقيين قاسى أهلها الأهوال.

قلنا ان مدة الحكم اليوناني في سوريا وفلسطين منذ دخول الاسكندر اليها الى حين دخولها في حوزة الرومان كانت عبارة عن ( 269 ) سنة ومن يراجع تاريخ البلاد في تلك العصور يستغرب كل الاستغراب كيف استطاع اليونان في خلال هذه المدة ان ينشروا علومهم وفنونهم وآدابهم بهذه السرعة ، وأن يمتزجوا بأهل البلاد الأصليين ويصيروا معظم البلاد يونانية ، فيشيدوا فيها المباني ويعمروا المدن . مع أن هذه المدة لم تنقض بهدوء وسلام بل كانت الحروب بين السلوقيين والبطالسة متتابعة والثورات والقلاقل متتالية . وكان السلوقيون خصوصا منحطين في الآداب والأخلاق زد على ذلك انهم كانوا قساة ظالمين كما يظهر من معاملتهم لليهود ومما كان سببا في انتقاض اليهود عليهم بعد أن عاشوا مدة قرن وربع تحت حكم البطالسة بسلام واطمئنان . ولكن هذا الاستغراب يزول عندما يتوسع المطالع في درس أخلاق الاسكندر وقواده ويتأكد أن أعظم دافع لذلك القائد العظيم على افتتاح البلدان وخوض معارك الحروب هي مزج الشرق بالغرب - وهي نفس الفكرة التي كان يرمي اليها نابليون - وتوحيد العائلة البشرية . أو بعبارة أخرى تصيير جميع أهل البلاد التي يفتحونها يونانيين بأية وسيلة كانت . وقد توخى طرقاً كثيرة لتحقيق أمانيه أهمها مسألة الزواج فقد اقترن هو بابنة داريوس ملك الفرس وشوق قواده وأجبر رجاله على الاقتران بالشرقيات . وفتح باب المهاجرة لليونان على مصراعيه فتدفق على سوريا وفلسطين وشرقي الاردن سيل عظيم من بلاد اليونان وجزر البحر المتوسط وغيرها من البلاد اليونانية . ونسج قواده وخلفاؤه على نسقه فعمموا الروح اليونانية بنشر شعرهم وفلسفتهم وعاداتهم وألبستهم ومسارحهم وفنونهم وألعابهم وآدابهم ولغتهم . وهكذا حول الاسكندر وخلفاؤه مدن فلسطين وسوريا وعبر الاردن الى مراكز للعلوم اليونانية والتمدن اليوناني . وشيدوا المدن المختلفة . فعدد عظيم من المستعمرين اليونانيين كانوا يقيمون في غزة وأشدود وعسقلان ويافا وعكاء التي دعيت ( بتولمايس ) . وقد توطن كثيرون من جنود الاسكندر المتقاعدين في هبوس وجدرا وبيلا وجرش وربة⟨؟⟩ عمون القديمة التي أسموها ( فيلادلفيا ) . ويمكننا القول ان انتشار اللغة اليونانية في البلاد والآداب والعلوم والتمدن رافقه شيء من القسوة والارغام والارهاب وخصوصاً من قبل السلوقيين قياساً على معاملة هؤلاء لليهود وفتكهم فيهم بلا رحمة ولا شفقة.

ولكن رغماً عن جميع الوسائل التي استعملت لملاشاة آداب سكان البلاد الاصليين وعاداتهم وأخلاقهم ولغتهم ورغماً عن هذا الاختلاط نلاحظ ان هؤلاء السكان ظلوا متمسكين بآدابهم ولغتهم . وقد ظل اليهود محافظين على كل شيء ، هذا عدا ما أصاب لغتهم من التغيير في أثناء سبي بابل فانها اختلطت بالسريانية والكلدانية وعرفت باللغة الآرامية أو الكلدانية وبها كتب التلمود . وقد برع كثيرون منهم في اللغة اليونانية فاشترك اثنين وسبعون شيخاً منهم في ترجمة الكتاب المقدس الى اللغة اليونانية في عهد بطليموس فيلادلفوس في الاسكندرية . كان بينهم سمعان الشيخ كما يروي لنا التقليد . اما من بقي من الشعوب السامية ولا سيما الآراميون فقد تنصروا عند دخول النصرانية وانفردوا بآدابهم وأخلاقهم وعاداتهم . وأكثرهم كانوا يقيمون في العراق وما بين النهرين وأعالي سورية الى فلسطين.

واذا ألقينا نظرة عامة على سوريا وفلسطين وشرق الاردن في تلك العصور نجد أن حدود الشام الغربية على سواحل بحر الروم كان يغلب فيها العنصر اليوناني . وحدودها الشرقية مما يلي البادية يغلب فيها العنصر العربي . وأما أواسط البلاد فكان يغلب فيها العنصر الآرامي كما يؤيد ذلك المحققون من المؤرخين العرب والافرنج . ولا تزال ثلاث قرى بالقرب من دمشق حتى الآن يتكلم أهلها اللغة الآرامية وهي معلولة وعين التينة وجب العين مع أن أسماؤها عربية.

وكان هناك من أوائل القرن الرابع قبل الميلاد أمة عربية عرفت بالأنباط أو النبط . كان مقامهم في الجنوب الشرقي من فلسطين على أنقاض الأدوميين وهي دولة بطرا . وقد اختلطوا بأهل الشام وفلسطين أجيالا متوالية وتشهد النقوش والآثار التي عثر عليها بعض المستشرقين في كثير من المدن التي كانت داخلة ضمن حدود هذه المملكة مثل بطرا ( وادي موسى ) وبصرى وازرع ( ازرعات ) وعمان وجرش والكرك والشوبك وإيلة ( العقبة ) ومدائن صالح . ان هذه المملكة كانت في زمن من الأزمان تشمل معظم شمالي جزيرة العرب ويدخل فيها مؤاب والبلقاء وحوران وشبه جزيرة سيناء وأرض مديان وأعالي الحجاز . وقد وجدت نقوش من لغتهم في دمر على حدود دمشق مما يدل على سعة علاقاتهم التجارية . ويذكر التاريخ ان هذه الدولة كانت منظمة تنظيماً لا بأس به فكان لها ملوك ووزراء وعملة خاصة . وقد جرب خلفاء الاسكندر الاستيلاء على هذه المملكة فلم يفلحوا . ولما دخلت البلاد في حوزة الرومان سنة 64 ق . م أشهروا عليهم الحرب في أيام اغسطس قيصر فارتدوا عنهم خائبين وقد تنصر كثيرون منهم في أول انتشار الدين المسيحي ولكن الرومان عادوا فتغلبوا على هذه المملكة واحتلوها سنة 106 م فتبدد شملهم وقضي على مدنيتهم فاندمجوا في غيرهم من أهل البلاد وانتشروا على حدود سورية وفلسطين مما يلي البادية بين سيناء والفرات . ( راجع تاريخ العرب قبل الاسلام لزيدان صفحة 76 . والدول العربية وآدابها لأنيس الخوري المقدسي صفحة 25 . وأصل الارثوذكس في سورية وفلسطين لباقلوس كاروليندس اليوناني صفحة 135 ).

وما اندثرت هذه المملكة العربية حتى زهت بدلاً منها مملكة عربية أخرى هي مملكة تدمر الشهيرة . ومدينة تدمر قديمة العهد يزعمون ان بانيها هو الملك سليمان مع ان هذا الزعم مردود عليه من مؤرخين كثيرين لأسباب يضيق بنا المقام عن ذكرها . ولكنها على كل حال مدينة قديمة جدا ولكنها لم تزهو ولم تتقدم وتتسع حدودها الا بعد سقوط بطرا إذ اصبحت هي طريق القوافل بين الهند وبلاد فارس الى فينيقية وقد تنصر كثيرون من أهلها . وقد أخذت هذه المملكة بالانحطاط شيئاً فشيئاً بعد إنكسار شوكة زنوبيا في حربها مع الرومان على ما هو مشهور في التاريخ الى ان كانت دولة الاسلام ففتحتها

البقية في العدد القادم

صورة الصفحة — أصل المسيحيين في سورية وفلسطين ١

اضغط على الصورة لفتحها بالحجم الكامل

→ العدد 604: تاريخ كنيسة القيامة ٢
العدد 606: أصل المسيحيين في سورية وفلسطين ٢ ←