فهرس مقالات صوت العرب — Arab Voice Index
العدد 604 — ٢٣ آب ٢٠٠٨

تاريخ كنيسة القيامة ٢

The History of the Church of the Holy Sepulchre, Part 2
Arab Voice * August 23rd 2008 * Vol.(15) * Issue# 604 — صفحة 29
إعداد وتقديم / حنا عيسى توما / المؤسسة الأمريكية للدراسات السريانية — www.syriacstudies.com ** e-mail : hannaissa@gmail.com
The series concludes with the church's later eras: the Persian destruction of 614 and Modestus's rebuilding, Caliph Umar's respectful entry into Jerusalem, the demolition ordered by the Fatimid caliph al-Hakim, Constantine Monomachos's reconstruction, the Crusaders' unification of the shrines under one dome in 1149, Saladin's clemency, and the fires, earthquakes, and restorations that shaped the building down to 1869.
نصّ منسوخ حرفياً عن صورة الجريدة كما طُبع. الكلمات المعلَّمة بـ ⟨؟⟩ غير واضحة في الأصل المطبوع.Transcribed verbatim from the newspaper scan. Words marked ⟨؟⟩ are unclear in the original print.

كنيسة القيامة في دورها الثالث

وهو العهد الذي شيد فيه بناء مودستس على أنقاض البناء البيزنطي

بقيت الكنائس التي شيدها قسطنطين على الطراز البيزنطي زهاء ثلاثمائة سنة تناطح السحاب بجلالها . وكان اليوم الرابع من شهر أيار سنة 614 م آخر يوم حيت في صباحه شمس القدس ذلك الصليب الكريم القائم على قبة القبر . ففيه هجم الفرس على القدس تحت قيادة ساريوس فاستولوا على المدينة واعملوا السيف في رقاب الأهلين فقتلوا من المسيحيين على ما قيل تسعين ألفا وقد عاونهم اليهود في ذلك وذبحوا الذين التجأوا الى الكنائس ذبح الأغنام وأحرقوا الكنائس والأديرة في القدس كما أحرقوا سائر كنائس فلسطين ومن ثم مدوا أيديهم الى كنيسة القيامة فدمروها تدميراً وهكذا دكت أركان ذلك البناء الشامخ ومدت مشاعل التخريب الى الأماكن المقدسة فنهبت كنوزها وسلبت نفائسها وسجدت تلك العواميد القائمة حول القبر لما رأت أرجل الفاتحين الغزاة تلوث حجارة كانت تغسلها دموع المؤمنين . أجل صارت القيامة قاعاً صفصافاً وقامت نوادب فوق الطلول ترثي وتبكي . وقد رثى صفرونيوس الحكيم مدينة اورشليم بمرثاة رقيقة تضارع مراثي ارميا . وكسر الغزاة حجر الملاك الموجود في مغارة القبر ظناً منهم ان فيه كنزاً وأخذوا جزءاً كبيراً من عود الصليب واقتادوا البطريرك زكريا وأعيان المسيحيين أسرى الى بابل وكانت هذه النكبة التي حلت بالقيامة من أعظم النكبات ومن أراد ان يطلع على حوادثها بتفصيل فعليه بمراجعة تاريخ سعيد بن بطريق أحد المؤرخين الثقاة وبعد ذهاب الفرس قام مودستس رئيس دير القديس ثيودوسيس واستدر حسنات المؤمنين في سورية وفلسطين واستأنف اعمار القيامة وقد عاونه بطريرك الاسكندرية يوحنا الرحوم بالمال والرجال والذخائر . وإذ كان يستحيل عليه ارجاع البناء الى رونقه القديم اكتفى بتشييد الانستازيس ( الكنيسة فوق القبر ) وبنى أيضاً معبد الجلجلة وكانت العمارة التي شادها مودستس بسيطة جداً بالنسبة لما كانت عليه قبلاً . وقد بذل جهده في الباس البناء حلة من مسحة الجمال وساعده على ذلك ما بقي من آثار البناء البيزنطي لأن معاول الفرس وفؤوسهم لم تقو على ابادة أثرها واستغرق البناء اثني عشرة سنة وانتهى على الأرجح سنة 629 لم يطب لهرقل الامبراطور الصبر على هذه الكسرة الهائلة . ونظرا لفراغ خزينته من النقود سك أواني كنيسة القسطنطينية نقوداً برضى بطريركها وجدد الهمة فهاجم الفرس وغلبهم بقرب نينوى في 12 كانون الأول سنة 627 واسترجع خشبة الصليب وعاد بها الى اورشليم فدخلها حافياً متواضعاً فاستقبله الشعب بسرور ودموع الفرح تتساقط من عيونه وقد أقام المسيحيون تذكاراً لهذا العيد ولم يزالوا كل سنة في عيد الصليب يجددونه بمظاهر التقوى واشعال نيران الفرح وفي سنة 637 م دخل الخليفة عمر القدس فاتحاً ويشهد له التاريخ باحترامه البطريرك صفرونيوس وبحسن معاملته للمسيحيين واطلاق الحرية لهم في ممارسة واجباتهم الدينية وروى المؤرخ الشهير سعيد بن بطريق انه لم يرد ان يصلي في صحن القيامة لكيلا يطمع فيها الاسلام من بعده بل صلى على الدرجة التي على باب كنيسة قسطنطين . وقد أعطى البطريرك صك العهد المعروف بالعهدة العمرية ثم طلب منه ان يريه مكاناً ليبني فيه جامعاً للمسلمين فدله البطريرك على مكان هيكل سليمان حيث الصخرة الكبيرة وكانت الأقذار قد علتها فجعل عمر ينظفها بذاته فاقتدى به المسلمون حتى رفعوا جميع الأقذار وبنى هناك الجامع المعروف بجامع الأقصى . على أن خلفاء عمر لم يقتفوا أثره في معاملة المسيحيين بل اخترقوا مراراً العهود وتعدوا على القيامة وتجد تفاصيل هذه التعديات في تاريخ ابن يحيى الانطاكي وسعيد بن بطريق وغيرهما وقد قضت هذه التعديات بترميم بناء مودستس أكثر من مرة وبدخول العرب للقدس تقلص ظل الحكم الروماني بعد ان خفقت أعلامه زهاء 600 سنة وزالت آثار حمايتهم للأماكن المقدسة .

صبر البناء الذي شاده مودستس على آفات الدهر أكثر من بناء قسطنطين بمائة سنة الى أيام الحاكم بأمر الله أحد الخلفاء الفاطميين بمصر الذي كان دأبه محو معالم الكنائس من على وجه الأرض وإبادة أثرها . فقد أمر هذا الخليفة بتدمير القيامة فنفذ أمره سنة 1099 م ودكت جميع أبنيتها وأستقصي في إزالة آثار الأماكن المقدسة ونهبت ذخائرها وكنوزها . وقد اضطهد هذا الخليفة الغريب الأطوار المسيحيين عشر سنوات ثم كف عن اضطهادهم وسمح لهم ببناء كنائسهم واقامة الصلاة على أطلال القيامة . ولما خلف الحاكم ابنه الظاهر عقد معاهدة مع ملوك القسطنطينية وكان من شروطها ان يطلق الملك سراح الأسرى المسلمين وينال من الظاهر لقاء ذلك الرخصة في تجديد بناء كنيسة القيامة . وجددت أحكام هذه المعاهدة في أيام الخليفة المستنصر بالله وما زال ملوك القسطنطينية يتحينون الفرص لتحقيق رغائبهم حتى تمكن من مباشرة البناء الملك قسطنطين مونوماخوس وذلك بعد مرور 30 سنة على تخريبها ولم ينقطع الزوار الأفرنج⟨؟⟩ في خلال المدة التي بقيت فيها القيامة خربة عن المجيء لزيارتها . وكانوا يحملون معهم الى بلادهم أخبار انتهاك الأماكن المقدسة وتدنيسها وتفاصيل ما يقاسيه المسيحيون من أنواع العذابات . وكانوا هم أنفسهم يرون من القساوة والغلظة ما ملأ قلوبهم حقدا .

القيامة في دورها الرابع

كانت كنيسة القيامة حتى سنة 1009 حاوية لبعض آثار البناء البيزنطي رغم ما توالى عليها من النوائب والكوارث ولكن الخراب الذي الحقه بها الحاكم جردها من جميع آثارها القديمة وأصبحت في حالة يتعذر معها على المهندسين ارجاعها الى هندستها الأصلية وقد أرجع مونوماخوس مغارة القبر المقدس الى حالتها الأولى ثم شاد فوقها كنيسة جميلة قام حولها 12 عموداً وأفرز كنيسة الجلجلة عن القبر المقدس وشاد فوق صخرة الصليب معبداً نقشت جدرانه بالفسيفساء وأما مغارة الصليب فاكتفى بترميمها مستخدماً لذلك أعمدة قديمة وعلى هذه الحال وجد الصليبيون القيامة يوم استولوا عليها . والجزء الأكبر من هذا البناء باق حتى الآن .

يستدل ما كتبه الرحالة المدعو ( ناصري خسرو ) الذي زار اورشليم في هذه الآونة ان تزيينات بناء مونوماخوس كانت في درجة لا بأس بها .

القيامة في دورها الخامس

وهو العهد الذي وحّد فيه الصليبيون جميع أبنيتها فدخلت في شكلها الحالي

استولى الصليبيون على القدس في 15 تموز سنة 1099 فدخلوا كنيسة القيامة حفاة ناشدين الأناشيد والتراتيل ورفض قائدهم ان يتوج بتاج ذهبي حيث كلل المخلص باكليل الشوك . وعقب استيلائهم على المدينة أسسوا دولة لاتينية دامت 88 سنة لقب حماتها بحماة القبر المقدس . وبقيت القيامة طيلة هذه المدة تحت النفوذ اللاتيني . وأما الطوائف الشرقية فأبقي لها قسم ضئيل من حقوقها في القيامة واستمرت تمارس طقوسها تحت سقفها . وقد رأى الصليبيون ان يحافظوا على ما كان من البنايات في كنيسة القيامة فانصرفوا الى زخرفتها وتجميلها وتوحيد اجزائها المتفرقة ضمن جدر كنيسة كبرى فعمدوا الى العمل . وبعد مضي تسع سنوات تمكنوا من توحيد جميع بنايات القيامة تحت سقف قبة شاهقة فرغوا من بنائها سنة 1149 . فهيئة القيامة الحالية باقية اذن من عهد الصليبيين ان استثنينا بعض تغييرات طفيفة دعت الحاجة اليها .

وسنة 1187 أخذ صلاح الدين الأيوبي القدس من الصليبيين فأشار عليه بعض أتباعه على ما روى عماد الدين ان يدمر كنيسة القيامة لكيلا تبقى وسيلة للنصارى ليحجوا اليها فلم يفعل بل اقتدى بما فعله عمر يوم دخل القدس فاتحاً . انما اكتفى بنزع الصليب القائم على واجهتها وبتحطيم الأجراس التي على برجها وأزال كل أثر صليبي في الصخرة والمسجد الاقصى فحطم التماثيل والصور التي كانت قد نقشت هناك . وفي سنة 1229 استعاد الصليبيون القدس ثانية تحت قيادة فردريك الثاني ملك المانيا وبقيت في أيديهم عشر سنوات فقط 1229 - 1239 ثم انتزعت منهم وانقضى حكمهم نهائياً من القدس وبانقضاء حكمهم انتهت سيادة اللاتين المطلقة التي تمتعوا بها في إدارة الأماكن المقدسة وأعيدت بعض الأملاك التي اغتصبت في الدور الصليبي الى أصحابها ومنذ الجيل الثالث عشر الى أيامنا رممت الكنيسة التي خلفها الصليبيون مراراً لما طرأ عليها من حوادث الزلازل والحريق واجتياح الأمم ففي سنة 1244 غزا التتر الخوارزميون القدس فهدموا القيامة ونهبوا كنوزها ولكنها بنيت ثانية في أواخر ذلك القرن . وفي سنة 1719 تداعت قبة كنيسة القبر وكانت من عهد قسطنطين مونوماخوس فرممت وأصلح جانب كبير من أبنية القيامة ومعابدها . وفي سنة 1808 حدث حريق في كنيسة الأرمن امتد لهيبه الى سائر جهات القيامة فالتهم الأبنية ولم يسلم الحريق الا قبة القبر وكنيسة اللاتين ومغارة الصليب فنال الروم فرماناً من السلطان محمود بتجديد البناء وشادوا سنة 1810 فوق القبر البناء الحالي ثم رفعوا جدراناً حول كنيسة نصف الدنيا وأقاموا فوق كنيسة القبر قبة لم يحكم المهندسون بناءها فتداعت قبل مرور خمسين سنة عليها ويستدل من الكتابة الموجودة على القبر ان المهندس الذي قام بتجديد هذه الأبنية كان يدعى كونينوس من جزيرة مدلي وفي سنة 1869 اتفقت روسية وفرنسا وتركية على تجديد بناء القبة التي فوق كنيسة القبر فأوفدت كل منها مهندساً لهذه الغاية وشادوا القبة الشاهقة الحالية ورسموا عليها صوراً أنيقة بدأت يد الزمان تذهب ببعضها .

فمما تقدم يتضح للقارئ عظم أهمية هذه الكنيسة وشدة حرص المسيحيين عليها في سائر الأجيال . فقد كانت ولا تزال مطمح أنظار المسيحيين في الشرق والغرب وقبلة أبصارهم ومحور آمالهم وسوف تظل هكذا الى ما شاء الله

صورة الصفحة — تاريخ كنيسة القيامة ٢

اضغط على الصورة لفتحها بالحجم الكامل

→ العدد 603: تاريخ كنيسة القيامة ١
العدد 605: أصل المسيحيين في سورية وفلسطين ١ ←