فهرس مقالات صوت العرب — Arab Voice Index
العدد 603 — ١٦ آب ٢٠٠٨

تاريخ كنيسة القيامة ١

The History of the Church of the Holy Sepulchre, Part 1
Arab Voice * August 16th 2008 * Vol.(15) * Issue# 603 — صفحة 29
إعداد وتقديم / حنا عيسى توما / المؤسسة الأمريكية للدراسات السريانية ** www.syriacstudies.com ** e-mail : hannaissa@gmail.com
Opening a serialized history that divides the Church of the Holy Sepulchre's story into five eras, this installment covers the first two: from the crucifixion and burial of Christ through Hadrian's pagan temple over the tomb, then Helena's discovery of the tomb, Golgotha, and the Cross in 326 and Constantine's magnificent basilica, described through early pilgrim accounts.
نصّ منسوخ حرفياً عن صورة الجريدة كما طُبع. الكلمات المعلَّمة بـ ⟨؟⟩ غير واضحة في الأصل المطبوع.Transcribed verbatim from the newspaper scan. Words marked ⟨؟⟩ are unclear in the original print.

يطلق اسم القيامة على مجموع الكنائس التي شُيدت فوق القبر والجلجلة ومغارة الصليب . وقد رأينا تسهيلاً للقارئ ان نقسم تاريخها الى خمسة أدوار:

الدور الأول:

يبدأ من حادثة صلب المسيح ودفنه سنة 33 م كما وردت في الأنجيل وينتهي بإعتناق قسطنطين الكبير المسيحية وهدم المعبد الوثني المشيد على القبر واكتشاف القبر والجلجلة والصليب من قبل أمه الملكة هيلانة سنة 326 م . ومعظم المعلومات التي وصلتنا عن هذا الدور غامضة ومبهمة الا ما رواه الانجيل . ومدة هذا الدور 293 سنة.

الدور الثاني:

يبدأ من فراغ الملكة هيلانة من تشييد البناء البيزنطي الذي أقامته على القبر والجلجلة وكهف الصليب سنة 336 م وينتهي بهجوم الفرس واستيلائهم على القدس وتدميرهم القيامة سنة 614 م . ومدة هذا الدور 278 سنة.

الدور الثالث

يبدأ من تاريخ إعادة بنائها من قبل مودستس سنة 629 م واسترجاع هرقل خشبة الصليب من الفرس ويستمر الى سنة 1009 م التي فيها دكت القيامة بأمر من الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله . ومدة هذا الدور 380 سنة.

الدور الرابع:

يبدأ من تاريخ بنائها ثانية من قبل الملك قسطنطين الملقب بمونوماخوس سنة 1048 ويستمر الى سنة 1130 م حين بدأ الصليبيون في تغيير هندسة بنائها . ومدة هذا الدور 82 سنة.

الدور الخامس:

يبدأ من البناء الصليبي الذي انتهى في سنة 1149 م وهو البناء الحالي ويستمر الى يومنا هذا.

وهذا التقسيم مبنى على ما طرأ عليها من حوادث التخريب والترميم كما رأيت.

القيامة في دورها الأول :

وهو الدور المعروف بالعهد الروماني الوثني

ولما كان المساء ، يقول الانجيل ، جاء رجل غني من الرامة اسمه يوسف وأخذ جسد المسيح ولفه بكتان نقي ووضعه في قبره الجديد الذي كان قد نحته في الصخرة ثم دحرج حجراً كبيراً على باب القبر ومضى . وفي فجر الأحد جاءت النسوة الى القبر فظهر لهن ملاك اخبرهن بقيامة الرب ، فانطلقن مسرعات يبشرن التلاميذ بما سمعن . من هنا يبدأ تاريخ كنيسة القيامة . ولم يزدنا الانجيل ولا التاريخ إيضاحاً عن مصير القبر بعد قيامة السيد وصعوده . ولا ذكر ان التلاميذ والمؤمنين أتخذوا القبر محلاً للعبادة . إنما جاء في تاريخ ابيفانيس ان المسيحيين كانوا يقيمون الصلاة في مكان على جبل صهيون حيث أكل السيد المسيح العشاء السري الأخير . وهذا المكان حسب التقليد وشهادة بعض مشاهير المؤرخين هو ديرنا المعروف ببيت مريم أم يوحنا مرقس . ولا يفهم من هذا ان المؤمنين أهملوا القبر في صدر المسيحية ، كما زعم البعض زعماً باطلاً ، بل حافظوا على مرقد سيدهم واعتبروه كل الاعتبار واستمروا على زيارته طيلة الجيلين الثاني والثالث.

تأسست أول كنيسة في العالم في اورشليم يوم حلول الروح القدس على التلاميذ . وكان عدد المؤمنين قبل الحادث قليلاً جداً ، الا ان هذا الحادث العظيم الذي شهدته الألوف من الناس المختلفي اللغات والأجناس والأديان كان سبباً لإنتشار المسيحية إنتشاراً عجيباً . وأول أسقف نصب على الكنيسة الاورشليمية كان يعقوب أخي الرب الذي استشهد سنة 62 م . وقد بقي المسيحيون مع إقامتهم الصلاة في بيت أم يوحنا مرقس وغيره من الكهوف يترددون الى الجلجلة والقبر للتبرك بزيارته حتى شق اليهود عصا الطاعة على الحكومة الرومانية . ولما دوت في آذان المسيحيين جلبة جيوش الرومان التي جاءت لإخضاع اليهود وإخماد نيران الثورة علموا أن الوقت قد حان لإكتمال نبوة السيد المسيح عن خراب المدينة والهيكل فغادروا اورشليم هاربين الى مدينة " بلا " الواقعة في شرقي الاردن بالقرب من بيسان مع اسقفهم سمعان البار . فجاء تيطس وحاصر اورشليم حصاراً شديداً وأفتتحها عنوة سنة 70 م ودمر المدينة تدميراً هائلاً . وقد سلم القبر والجلجلة من التدمير لأنهما لم يكونا في حالة تسترعي الانتباه.

لم يحل خراب المدينة دون عودة بعض المسيحيين الى اورشليم عندما خمدت نار الحرب . فرجعوا اليها ونزلوا في جبل صهيون حول العلية إذ كانت الجهة الوحيدة التي نجت من الدمار العام فظل موقع قبر المسيح معروفاً عندهم بعد الخراب أيضاً كما كان معروفاً قبله . ولا شك أنهم أخذوا يفدون على زيارة الأماكن المقدسة كعادتهم.

بقيت المدينة خربة 62 سنة الى ان حن اليهود المشتتون في أنحاء فلسطين الى مدينتهم فثاروا مرة ثانية وانتزعوا المدينة من أيدي الرومان ورمموا بعض مبانيها وأخذوا يكرهون المسيحيين على الدخول في دينهم والاشتراك معهم في الثورة . فأرسل القيصر هدريان القائد يوليوس سفروس لإخضاع الثائرين فحاربهم هذا القائد سنة 136 م وهزمهم شر هزيمة وقتل منهم خلقاً كثيراً ثم حول هدريان اورشليم المدينة اليهودية الى مدينة رومانية جديدة دعاها ( ايليا كابيتولينا ) وطرد منها اليهود وحذر عليهم دخولها الا مرة واحدة في السنة ليبكوا عزهم السابق . ولما بلغ المؤمنين الذين من الأمم القاطنين في (بلا) هذا الخبر جاؤوا الى اورشليم وتوطنوا فيها وأخذوا ينتخبون لادارة الكنيسة أساقفة منهم . وكانت الأمم التي استوطنت القدس من السريان والرومان واليونان . واستمرت القدس على هذه الحال الى ان اعتنق قسطنطين الديانة المسيحية كما سيجيء.

ولما كان هيكل سليمان مقر آمال اليهود وقبر المسيح مطمح أنظار المسيحيين على الدوام وسبب حنينهم الزائد الى اورشليم أراد هذا الامبراطور ان يمحي آثارهما ويقيم عليهما معابد وثنية لآلهة رومانية فشيد على أنقاض هيكل سليمان المدمر هيكلاً للإله جوبيتر وعمد الى الجلجلة والقبر فطمرهما تحت تل صناعي أقام عليه هيكلاً لفينوس " الزهرة " . وبعمله هذا الذي أراد به طمس معالم الأماكن المقدسة وإبادة آثارها أحيا ذكرها الى الأبد . فقد تعلق المسيحيين بالقبر وأخذوا يستدلون بهذا الهيكل على محله . ويؤخذ مما رواه اوريجانس واوسابيوس وايرونموس ان الزوار استمروا يفدون على اورشليم لزيارته من سائر الأنحاء طيلة الجيلين الثاني والثالث فموضع القبر اذن لم يضع قط وفي زيارات المؤمنين المتواصلة له برهان قاطع على حرص المسيحيين الأولين عليه.

بقي القبر المقدس راقداً تحت هيكل فينوس الذي أقامه هدريان ، والمسيحية تعاني أمر العذابات وأفظع الاضطهادات ، حتى اعتنق الامبراطور قسطنطين الكبير الديانة المسيحية وجعلها الديانة الرسمية للحكومة فاعتزت به المسيحية وأخذت تقيم شعائر دينها علانية . وبما ان انتصار هذا الامبراطور كان بفضل الصليب الذي اتخذه شارة لنفسه ولجنده قرر بعد التآم المجمع المسكوني في نيقية سنة 325 م ان يفتش على محل القبر والصليب ويشيد فوقهما كنيسة . وعلى هذا أوفد سنة 326 م . أمه الملكة هيلانة الى اورشليم فجاءت وهدمت بأمر ابنها الهيكل الوثني فظهر القبر المقدس سالماً وعثرت على الصليب في الكهف المعروف بمغارة الصليب واكتشفت الجلجلة . ان حادثة هذا الاكتشاف يرويها اوسابيوس بلا إرتيابٍ ونستدل بما كتبه ان موقع القبر كان معروفاً جيداً ولم يكن على هيلانة عند مجيئها سوى إزالة التل الصناعي المشيد عليه . ويظهر ان اوسابيوس كان حاضراً عند اكتشاف القبر والجلجلة والصليب لأنه يسرد الحوادث كمن شهد الوقائع بنفسه.

دور القيامة الثاني:

ويعرف بالعهد الروماني المسيحي

لم يكد خبر اكتشاف القبر والجلجلة ومغارة الصليب يبلغ مسامع قسطنطين حتى كتب الى مكاريوس اسقف اورشليم يأمره بإنشاء ثلاث كنائس الواحدة فوق القبر والثانية فوق مغارة الصليب والثالثة فوق الجلجلة . ولما باشروا البناء اقتضى تمهيد الأرض حتى أصبح على موازاة القبر ولم يبق قائماً على ارتفاعه الا محل الصليب الذي ترك على حدته فنصب حول القبر على دائرة واسعة عشرون عموداً من الرخام تعلوها الحنايا الشامخة ويحيط بها جدار مستدير ينعطف في جهاته الأربع الى محرابين عظيمين يمنة ويسرة ومحراب ثالث بينهما الى الوراء يقابله المدخل الكبير ويكلل المجموع قبة شامخة عظمى وهذا البناء دعي القيامة . ثم شيدت كنيستان على الجلجلة وعلى مغارة الصليب وكان يحيط بالكنائس الثلاث أروقة جميلة قائمة على أعمدة من الرخام ولا شك في ان هذه الكنائس كانت على جانب عظيم من الجمال ودقة الهندسة والبناء حتى أنها فاقت هياكل رومية في عظمتها وأصبحت تحفة التحف في العالم كله

وقد وصف هذا البناء الفخم اوسابيوس المؤرخ الكنسي الشهير وصفاً مطابقاً لوصف الزائرين من بعده . وأيضاً وصفه زوار كثيرون كالقديس كيرلس وثاودوريطس اسقف صور والقديس ايروفوس . ولدينا تفاصيل اخرى عن هذه الكنائس رواها سائح بوردو الذي زار اورشليم في سنة 333 م . بينما كانت أعمال البناء قائمة على قدم وساق فوصف البناء وصف شاهد عيان.

وهنالك آثار ترينا صور الكنائس التي شيدها قسطنطين كما كانت . منها قطعة فسيفساء موجودة اليوم في كنيسة سانتا بودنزيانا في رومية يظن انها نقشت في القرن الرابع أو الخامس تظهر فيها رسوم الكنيستين بوضوح . ويوجد قطعة أخرى من الفسيفساء في مأدبا بشرقي الاردن وهي عبارة عن مصور غير متقن لأورشليم ولأسوارها ولهاتين الكنيستين . وفي متحف ميلانو قطعة من العاج تمثل كنيسة القيامة في أول عهدها ويرجع تاريخ هذه القطعة الى الزمن الذي نقشت فيه قطعة الفسيفساء المحفوظة في كنيسة سانتا بودنزيانا الآنفة الذكر.

وقد استغرق بناؤها ست سنوات وأكملت سنة 335 فجرى تكريسها بحفلة حضرها اوسابيوس اسقف قيصرية وغيره من الأساقفة والكهنة وعدد لا يحصى من المؤمنين.

وبعد إكمالها زارها حجاج كثيرون من سائر أنحاء العالم منهم سيلفيا الاكويتانية التي زارت اورشليم سنة 385 وخلفت لنا مذكرات عن رحلتها الشهيرة وصفت فيها الأماكن المقدسة والحفلات الدينية وصفاً دقيقاً ونستنتج من البقعة الفسيحة التي اتخذت لتشييد هذه الكنيسة انها أقيمت لتضم جمهوراً كبيراً كما هو الحال الآن.

البقية في العدد القادم

صورة الصفحة — تاريخ كنيسة القيامة ١

اضغط على الصورة لفتحها بالحجم الكامل

→ العدد 602: سوريا والسريان ٢
العدد 604: تاريخ كنيسة القيامة ٢ ←