فهرس مقالات صوت العرب — Arab Voice Index
العدد 596 — ٢٨ حزيران ٢٠٠٨

دور المراكز السريانية في تفاعل العرب والمسلمين الحضاري ٤

The Role of Syriac Centers in the Civilizational Interaction of Arabs and Muslims, Part 4
سريانيات
Arab Voice * June 28th 2008 * Vol.(15) * Issue# 596 — صفحة 29
إعداد وتقديم / حنا عيسى توما / المؤسسة الأمريكية للدراسات السريانية — www.syriacstudies.com ** e-mail : hannaissa@gmail.com
The final installment of Dr. Hussein Qasim al-Aziz's study profiles the great translators of the Abbasid age, above all Hunayn ibn Ishaq, whose renderings of Galen, Hippocrates, Aristotle, and Plato passed through Syriac into Arabic. It also covers Qusta ibn Luqa, Thabit ibn Qurra of Harran, and later Syriac Orthodox translators such as Yahya ibn Adi.
نصّ منسوخ حرفياً عن صورة الجريدة كما طُبع. الكلمات المعلَّمة بـ ⟨؟⟩ غير واضحة في الأصل المطبوع.Transcribed verbatim from the newspaper scan. Words marked ⟨؟⟩ are unclear in the original print.

كان " ماسرجش " اليهودي الذي يعرف " بيحيى بن ماسرجويه " السوري قد ترجم كتاب الطب ( كناش أهرون ) للقس النصراني والطبيب والإسكندراني هارون من السريانية إلى العربية ، وهو من أقدم التآليف العربية الطبية .

يرى " مايرهوف " أنّه ربّما كانت هذه قد كتبت بالإغريقية ثم ترجمت إلى السريانية ثم إلى العربية . ويضيف أنّ أبحاث أهرون لم تصلنا ولكن يظهر أنها كانت تشتمل على أوّل وصفٍ لمرض الجدري وهو داء لم يكن معروفا في الطب اليوناني القديم .

يعتبر " أبو يحيى ابن البطريق " ( ت 796 م أو 806 م ) من أوائل المترجمين عن اليونانية ، وتنسب إليه ترجمة تأليف جالينوس وأبقراط وكتاب الأربعة لبطليموس . أما يحيى ( يوحنا ) بن ماسويه النصراني السرياني المتوفي ( 243 / 857 م ) تلميذ جبريل بن بختيشوع وأستاذ حنين بن إسحق فقد قام بأمر من الخليفة هارون الرشيد بترجمة الكتب القديمة التي عثر عليها في أنقرة وعمورية وأكثرها في الطب .

لقد كان يحيى متضلعاً من السريانية والعربية ويجيد التأليف بهما ، كما كان متمكناً من استخدام الإغريقية . تتلمذ الطبيب النسطوري أبو زيد حنين بن إسحق العبادي ( ت 263هـ / 876 م ) في أول أمره على يد يحيى بن ماسويه الذي ذكرناه ، وعمل في صيدليته ثم اتصل في بغداد ، بعد إحكامه اللغة اليونانية ودراسة الطب في الإسكندرية ، بجبريل بن بختيشوع الذي رشحه للمأمون لإدارة بيت الحكمة . فقام حنين مع ابنه إسحق وابن أخته حبيش بن الحسن الأعسم بالترجمة من الإغريقية إلى السريانية ، وراح إسحق وحبيش يقومان في أكثر الأحيان بنقل ما ترجم من السريانية إلى العربية . ولا يقتصر عمل هؤلاء الثلاثة على ترجمة الكتب الإغريقية بدقة وعناية فحسب ، وإنما يشرفون بما يتاح لهم على ترجمات الآخرين كترجمات عيسى بن يحيى وموسى بن خالد ( الذي كان يترجم عن الفارسية ) وتصحيح الترجمات وتدقيقها وهو ما يعرف بالمراجعة اليوم .

وعرف أهل بغداد لحنين بن إسحق - كما يشير الدكتور محمد كامل حسين - فضله على نهضتهم وقدروه أكبر التقدير ، وبلغ من المجد العلمي غايته وأصبح المرجع الأكبر للمترجمين جميعاً . يدلنا على ذلك أن رجلاً اسمه اسطفان بن بسيل قام بترجمة كتاب ديوستوريدس في المادة الطبية الاقرباذين وعرض الكتاب على حنين فأقره .

ولعلّ كثيراً من المترجمين كانوا يفعلون ذلك فكان إقرار حنين لترجمة كتاب ما خير دليل على صواب الترجمة .

ترجم حنين شرح أرسطو ( هرمنتوكا ) إلى السريانية وعربها ابنه ، وترجم حنين لإقليدس وجميع أعمال جالينوس وأبقراط ، وإليه يرجع الفضل أيضاً في وضع الترجمة العربية لكتاب الاقرباذين لديوسقوريديس . ويرى المستشرق الإنكليزي " روم لاندو " أن هذه الترجمات وحدها تشير إلى اهتمام حنين بالطب على نحو ناشيط آخذ بالحيوية . ولكن هذا الاهتمام إنما تؤكده مؤلفاته الكثيرة في الموضوعات الطبية وأشهرها كتابه ( مسائل في الطب ) وكتابه ( رسالة في العين ) الذي يعتبر أول كتاب نظامي في طب العيون . كما ترجم لأرخميدس وأبولونيوس وترجم أيضاً كتاب الجمهورية لأفلاطون وتيمادوس لأفلاطون والمقولات والطبيعيات والأخلاق الكبرى لأرسطو وتعليقات ثامسطيوس على الكتاب الثلاثين من الميتافيزيقا . وترجم أيضاً كتاب المعادن المنسوب إلى أرسطو وهو الذي اعتبر زمناً طويلاً حجة في الكيمياء ، وترجم المدونات الطبية الإيحبيني⟨؟⟩ .

ذكر ابن النديم في معرض كلامه عن المترجمين والاهتمام بالعلوم والترجمة ( قال محمد بن إسحق : ممن عني بإخراج الكتب من بلده الروم محمد وأحمد والحسن بنو شاكر المنجم وخبرهم يجيء بعد ذلك ، وبذلوا الرغائب وأنفذوا حنيناً بن إسحق وغيره إلى بلد الروم فجاؤوهم بطرائف الكتب وغرائب المصنفات في الفلسفة والهندسة والموسيقى والأرثماطيقي والطب وكان قسطا بن لوقا البعلبكي قد عمل شيئاً فنقله له ) .

لقد وضع إسحق بن حنين إلى جانب مؤلفات له أصلية في الطب - كما يذكر أوليري - ترجمات عربية كالسوفسطائي لأفلاطون . والميتافيزيقا والنفس والكون والفساد والعبارة ( أو التفسير ) لأرسطو وهي التي ترجمها حنين إلى السريانية . كما ترجم ابنه بعض تعليقات فوروفوريوس والإسكندر الأفروديسي وأمونيوس . وقد لاحظ فيليب حتي أن ابن العبري والقفطي قد اتفقا على أن حنينا كان ينبوعا للعلم ومعدنا للفضائل ، وقال فيه " ليكليرك": " كان أعظم شخصيات القرن التاسع . . وكانت له عقلية من فضلى العقليات وخلق من أحسن الأخلاق التي نعرفها في التاريخ " .

أمّا أهمّ أعمال حنين فهي ترجمته لجميع مؤلفات جالينوس إلى اللغة السريانية فاللغة العربية . ولقد فقدت الأصول اليونانية لسبعة من كتب جالينوس في علم التشريح إلا أنّها لحسن الحظ محفوظة في اللغة العربية .

اهتمّ الطبيب السوري قسطا بن لوقا البعلبكي ( 204 هـ / 820 م - 299 هـ / 912 م ) الذي اشتهر بالفلسفة والهيئة والهندسة والحساب والموسيقى بنقل المؤلفات اليونانية التي جاء بها من آسيا الوسطى - كما نوه أعلاه ابن النديم - . وكان طبيباً واشتغل في صنع الآلات الفلكية . من مؤلفاته ( المرايا المحرقة ) و( الفلاحة اليونانية ) . ولقد نقل قسطا إلى العربية الكتب المختصة بالرياضيات والفلك بصورة خاصّة .

ذكر عنه ابن النديم ( جيّد النقل فصيح باللسان اليوناني والسرياني والعربي وقد نقل أشياء ، وأصلح نقولاً كثيرة .( برز في حران التي ورثت - كما مر بنا - بعد أنطاكية أمجاد الإسكندرية العلمية في الفلسفة والطبّ ، الطبيب والفيلسوف الحساب ثابت بن قرة ( 222 هـ / 836 م / - 288 هـ / 901 م ) .

وكان للإخوة أولاد موسى فضل تعريف الخلفاء به ، وكان رئيساً لطائفة الوثنيين عبدة النجوم والكواكب السيارة ( ومن هنا كانت عناية الطائفة منذ أمد بعيد بالتنجيم والفلك والرياضيات ) . وإلى ثابت وابنه سنان ( ت 331هـ / 943 م ) وحفيديه ثابت ( ت 362هـ / 973 م ) وإبراهيم ( ت 334هـ / 946 م ) وابن حفيده ، المعروف بأبي الفرج . إلى هؤلاء جميعاً يعزى الفضل في نقل القسم الأكبر من كتب اليونان في الرياضيات والفلك . . . ومنها مؤلفات أرخميدس ( المتوفي 212 ق.م ) وأبلونيوس ( المولود حوالي 262 ق.م ) وهي التي أصبحت مناهل للرواد الفلكيين والرياضيين العرب والمسلمين .

لقد تميّز ثابت وأفراد عائلته العلماء المترجمون بالتقدّم في الترجمة والعلم على حدّ سواء ، وقد قاموا خدمة للعلم بتنقيح الترجمات السابقة . إن ترجمة إقليدس على سبيل المثال لا الحصر التي قام بها حنين قبلاً نقحت عن يد ثابت . ولقد تسنى لثابت أن يتفوق في الميادين العلمية التي أسهم فيها بفضل الروح العلمية التي تحلى بها . وكان عالماً باللغات الإغريقية والسريانية والعربية ، فأنتج كتباً كثيرة في المنطق والرياضيات والتنجيم والطب ، وكذلك في الطقوس والمعتقدات التي في الوثنية ، والتي ظل مؤمناً بها .

ومن بين أوائل المترجمين لعلوم الرياضيات والفلك في مدرسة حران الحجاج بن يوسف بن مطر ( وقد زها بين 786 م و 338 م ) وإليه تنسب الترجمة الأولى لأصول الهندسة لإقليدس وإحدى الترجمات الأولى لكتاب المجسطي لبطليموس .

يقول ابن النديم: الحجاج بن مطر فسّر للمأمون وهو الذي نقل المجسطي وإقليدس . أما الكتاب - أصول الهندسة - فالظاهر أنه نقل مرتين مرة للرشيد وأخرى للمأمون وذلك قبل ترجمة حنين . واستخرج الحجاج النصّ العربي لكتاب المجسطي الشهير في علم الفلك سنة 826 - 830 معتمدا على ترجمة سريانية .

كان أبو بشر متى بن يونس ( ت 328هـ / 939 م ) من بين المترجمين النساطرة من السريانية وهو الذي ترجم إلى العربية القياس والشعر لأرسطو وتعليقات الإسكندر الأفروديسي على الكون والفساد وتعليق ثامسطيوس على الكتاب الثلاثين من الميتافيزيقا . وكلها مترجمة من نسخ سريانية ولم يكتف بالترجمة ، إنما وضع كذلك تعليقات أصيلةً على مقولات أرسطو وعلى إيساغوجي فورفوريوس .

برز السريان الأرثوذكس في القسم الأخير من القرن العاشر كمترجمين من السريانية الى العربية . من هؤلاء تلميذ حنين يحيى بن عدي التكريتي ( ولد في تكريت 280هـ / 893 م وتوفي ببغداد 364هـ / 974 م ) .

راجع يحيى كثيراً من الترجمات الموجودة ووضع ترجمات للمقولات والسفسطة والشعر والميتافيزيقا لأرسطو ، كما ترجم لأفلاطون القوانين وتيمادوس وكذلك تعليقات الإسكندر الأفروديسي - التي مرّ ذكرها عند الكلام على متى بن يونس - على المقولات وتعليقات ثيوفراسطوس على الأخلاق .

وقد انتهت إلى يحيى رئاسة جماعته الدينية . ومن اليعاقبة المترجمين أبو علي عيسى بن زرعة ( 398 هـ / 1008 م ) المولود في بغداد . وقد ترجم المقولات والتاريخ الطبيعي وأعضاء الحيوان مع تعليق يوحنا فيلوبوفوس أو يحيى النحوي .

وهؤلاء نخبة من المترجمين والعلماء الذين ساهموا بجد واهتمام في نقل التراث العلمي وأبدعوا في العلوم والمعارف ضمن اختصاصاتهم أحياناً ، ما ساعد العرب والمسلمين مع عوامل أخرى على التفاعل الحضاري في القرون الوسطى .

العدد القادم تقرأون عن أحيقار

صورة الصفحة — دور المراكز السريانية في تفاعل العرب والمسلمين الحضاري ٤

اضغط على الصورة لفتحها بالحجم الكامل

→ العدد 595: دور المراكز السريانية في تفاعل العرب وال
العدد 597: الأدب الآرامي ١ ←