فهرس مقالات صوت العرب — Arab Voice Index
العدد 595 — ٢١ حزيران ٢٠٠٨

دور المراكز السريانية في تفاعل العرب والمسلمين الحضاري ٣

The Role of Syriac Centers in the Civilizational Interaction of Arabs and Muslims, Part 3
سريانيات
Arab Voice * June 21st 2008 * Vol.(15) * Issue# 595 — صفحة 29
إعداد وتقديم / حنا عيسى توما / المؤسسة الأمريكية للدراسات السريانية — www.syriacstudies.com ** e-mail : hannaissa@gmail.com
Dr. Hussein Qasim al-Aziz's third installment centers on Gundeshapur, the Sasanian medical academy where Syriac, Greek, Persian, and Indian learning merged, producing the Bukhtishu dynasty of Abbasid court physicians. It then opens a survey of the translators, from Sergius of Reshaina, pioneer of Greek-to-Syriac medical translation, to Ibn al-Muqaffa, translator of Kalila and Dimna.
نصّ منسوخ حرفياً عن صورة الجريدة كما طُبع. الكلمات المعلَّمة بـ ⟨؟⟩ غير واضحة في الأصل المطبوع.Transcribed verbatim from the newspaper scan. Words marked ⟨؟⟩ are unclear in the original print.

هـ - جنديسابور :

جنديسابور في خوزستان الأحواز ( الأهواز ) تقوم مقامها الآن مدينة شاه آباد في الجنوب الغربي من إيران . أسسها الملك الساساني ( شابور إلأول ) . نقل شابور الأول (241-272 م) قسما من أسرى المدن السورية التابعة للرومان في أثناء الحروب الإيرانية الرومانية وأسكنهم المدينة الجديدة المسماة باسمه ( جنديسابور ) . وقد استفاد الساسانيون من صناع روما المأسورين أيضا في إنشاء الحصون وتنظيم أعمال الري . لقد ساعد وجود الأجانب من أسرى ومهاجرين الذين أغلبيتهم من السوريين السريان في إيران على توافر مستلزمات الدراسة العلمية ، فمن ناحية أعان هؤلاء امتلاكهم ناصية اللغة السريانية الأكثر شيوعا في الأوساط العلمية في تلك الأزمان على نقل التراث الإغريقي العلمي والفكري بمختلف فروعه ، وإن كان نصيب الطبية منها أوفر . ومن ناحية أخرى ساعدهم الوجود في إيران علي تعلم اللغة الفهلوية ، التي مكنتهم من الاطلاع والتزود بعلوم وفلسفة إيران والهند حيث سبق وأن نقلت عن السنسكريتية إلى الفهلوية معارف الهند الطبية والعلمية وفلسفتها فامتزجت بذلك معارف الشرق والغرب ، ما ساعد على توافر أساس القاعدة العلمية التي نهضت بها مدرسة الطب اليونانية السورية والتي أنشأت في جنديسابور في عهد كسرى أنو شروان (531-579م) . وكان لهذه المدرسة تأثير فيما بعد حيث أمدت الخلفاء المسلمين بأمهر الأطباء المشهورين كالطبيب النسطوري جورجيس بن بختيشوع الذي استدعاه المنصور من جنديسابور وأصبح آل بختيشوع منذ ذلك الحين أطباء البلاط العباسي لفترة طويلة . والسبب كما يذهب الدكتور محمد كامل حسين ( أنهم يمثلون صنفا من الأطباء كان معروفا عند القدماء هم أطباء البلاط . هؤلاء يكون ذكاؤهم أوفر من علمهم . والصفات الغالبة عليهم المهارة وحسن التصرف والكثير من الدهاء في مقاومة الدسائس ، وبعض الدس يقومون به لحسابهم . وكان آل بختيشوع ممن فيهم ذلك كله . لم يغضبوا خليفة أبدا ، ونجوا من نكبة البرامكة مع صداقتهم لهم ، واشترك أحدهم في نكبة حنين بن إسحق . لقد ارتقى شأن مدرسة الطب الجنديسابورية حتى غدت مركزا ثقافيا مرموقا لا بفضل مجاورتها لمستشفى كبير ولاهتمام الأكاسرة بها فحسب ، ولكن ، لأنها غدت ملجأً وملاذاً للسريان المضطهدين الناقلين معهم كنوز المعرفة الإغريقية ، بالإضافة إلى نزوح علماء الإغريق من أثينا عندما أغلق ( جوستنيان ) جميع المدارس الفلسفية في 529 م ، ما ساعد على تمازج وتفهم دقيق لمختلف الثقافات الإغريقية والهندية والفارسية . كما مهد السبيل لكسرى أنو شروان في أن يفيد من خبرات العقول المهاجرة والمستقرة عند إنشائه لمدرسة الطب الآنفة الذكر . أما أهمية هذه المدرسة الثقافية علي مدى الأجيال ومدى خدمتها للإنسانية وأهميتها بالنسبة إلى الحضارة الإسلامية فشيء مشهود به ، وإن حاول الدكتور محمد كامل حسين التقليل من شأنها معتبراً أن ما نالته من شهرة ( عند مؤرخي الطب العربي ) يقوم على ( ما أحرزه آل بختيشوع من شهرة ومجد وحظوة عند الخلفاء العباسيين ) . غير أن الدقة العلمية تبرز هذه الأهمية فيذكر "مايرهوف" عن هجرة علماء أثينا إلى جنديسابور: "فالتقوا هناك علماء السريان والهند والفرس . فنجم عن هذا نشاط علمي كانت أهميته في تقدم الفكر الإسلامي . ولقد أرسل ( كسرى أنو شروان ) أطباءه إلى الهند للبحث عن الكتب ونقلها إلى الفهلوية (لغة أواسط إيران) من لغتها الأصلية السنسكريتية ، كذلك ترجمت كتب إغريقية علمية كثيرة إلى الفارسية أو السريانية" . كما كتب "بروكلمان" عن أهمية كلية الطب ( يطلق عليها مايرهوف اسم معهد ) في جنديسابور : "وعلي الرغم من أن مدرسة الإسكندرية الطبية ذات الروح الفلسفية كانت قد لفظت أنفاسها الأخيرة بعيد الفتح العربي الذي قطع ما بينها وبين بيزنطة ، فقد واصل السوريون في أنطاكية وحران حماية تراثها وتنميته ونقلوه إلى بغداد . والواقع أن أثر الكلية الطبية التي أنشأها الساسانيون قبل ذلك في جنديسابور من أعمال السوس كان أعظم من هذه الناحية . فمن هناك جاءت أسرة بختيشوع الشهيرة بمن أنجبت من كبار الأطباء ، كجرجيس بن جبريل الذي عالج الخليفة المنصور في بغداد وغيره ممن لمعت أسماؤهم في هذه الصناعة بعد عهد المنصور أيضا . وفي بغداد التقى الطب اليوناني الطب الهندي على صعيد واحد . فقد سبق لهارون الرشيد نفسه أن استدعى مرة الطبيب الهندي "منكه" إلى بغداد . كما سبق للبرامكة أن أمروا بنقل بعض كتب الطب الهندية إلى اللغة العربية . "فعلى أيدي آل بختيشوع وسواهم ترجمت ، إذاً ، الكتب الطبية الإغريقية والهندية والإيرانية التي كانت تدرس في أكاديمية الطب الجنديسابورية . فلجبريل آل بختيشوع المتوفى 830 م كتب نافعة في الطب والمنطق ورسالات وجهها إلى الخليفة العباسي المأمون . ولهذا ، فإن آل بختيشوع لم ينالوا الحظوة لكونهم أطباء البلاط العباسي فحسب ، وإنما لنشاطهم العلمي أيضاً . ويشير "أوليري" إلى دور الخليفة أبي جعفر المنصور في اكتشاف آل بختيشوع واحتضانهم من قبل البلاط العباسي مع سواهم من الأطباء والعلماء النساطرة بقوله : "وكان الخليفة المنصور الراعي الذي فعل ما يمكن لاجتذاب الأطباء والنساطرة إلى مدينة بغداد التي أسسها وكان كذلك أميراً يسعى جهده لتشجيع المتصدين لإعداد ترجمات عربية من المؤلفات الإغريقية والسريانية والفارسية " . لقد وفر احتضان الساسانيين للمضطهدين والمغتربين من رعايا أعدائهم الرومان - البيزنطيين ولسواهم من نصارى العراق ، أجواء شجعت ، بالمعرفة والحكمة من هؤلاء ، على التفتح والإبداع . كما ساعدت على خلق قاعدة علمية متينة مكنت مدرسة الطب الجنديسابورية من الاستمرار في تدريس الفلسفة الإغريقية والطب لثلاثة قرون بعد سقوط الساسانيين . وكان لعدم تدخل العرب والمسلمين ، ومن ثم لتشجيع الخلفاء العباسيين أكبر الأثر في استمرارها في أداء رسالتها العلمية والإنسانية إلى أن نهضت مراكز طبية وعلمية جديدة فتحول علماء وأطباء جنديسابور عنها .

المترجمون

مرّ معنا كيف امتاز السريان بوفرة ترجماتهم وسعة مساهماتهم . سواء ما ترجموه إلى لغتهم من الإغريقية أو منهما إلى اللغة العربية مع توخي الدقة والأمانة رغم الصعوبات والمشاكل التي جابهتهم . ويذهب " كلود كاهن " إلى أن الغلبة كانت في بادىء الأمر للسريانية لأنها كانت أقرب منالاً في العالم الإسلامي . ولأن معرفة السريانية كانت أكثر شيوعاً من معرفة الإغريقية ثم رغب العرب في الحصول على الترجمات المباشرة عن الإغريقية بعد أن لمسوا قصور الترجمات المزدوجة . وإذا كان الكلام سيتوجه في أغلبه إلى ذكر المترجمين السريان إذ كان لهم قصب السبق في هذا المضمار كماً ونوعاً ، فإن شأن ممارسي الترجمة من قوميات وأديان أخرى لن يبخس ولن يغفل ذكرهم لأن الترجمة والمراكز الثقافية لم تكونا حكراً لقوم أو لمكان معين . ولم تتأثر جميعها بالمؤثرات الإغريقية فحسب ، فقد ترجمت كما مر معنا علوم ومعارف وحكمة الهند وفلسفتها إلى الفهلوية ومنها إلى السريانية وإلى العربية . كما أن بعضاً من اليهود أسهموا في الحركة العلمية ومارس بعضهم الأمور المتعلقة بالشؤون الطبية . ولهذا ، سوف يرد في ذكرنا للمترجمين ذكر الآخرين من المساهمين في هذا الحقل من غير السريان . لقد ساعدت اللغة العربية بمرونتها وسيادتها ، بفضل العقيدة والسلطة ، على أن تقوم الترجمة بدورها الهامّ كعامل حضاري ، كما أنّ للغة العربية الفضل الذي لا ينسى في إحياء العلوم التي طواها النسيان وتشير في هذا الصدد المستشرقة الألمانية " زيغريد هونكه " - ( لم يكن ما أنقذه العرب من ثقافات ليحفظ في المتاحف والأقبية بعيداً عن النور والهواء .. كلا إن كل ما أنقذوه من الفناء قد خرجوا به من عالم النسيان والتعفن ، وبعثوا فيه حياة جديدة ، وجعلوه في متناول كل راغب عن طريق ترجمته . وقد ترجموه ليس إلى لغة جامدة غريبة ، بل إلى لغة حية في كل مكان آنذاك هي لغة القرآن ) . ولعل من النافع التنويه قبل البدء بذكر المترجمين بأن أغلب الترجمات بلغت درجة الإتقان ، وامتازت بأسلوب أدبي رفيع يكشف عن فقه لغوي وتوسع علمي . وأعمال حنين بن إسحق ، علي سبيل المثال لا الحصر ، تغني عن البيان . كما أن إحساس أهل الذمة بحرمان التكافؤ حفزهم لنيل المال والحظوة عن طريق العلم وإن كان البعض مدفوعا بحب العلم لذاته أو المال لذاته . إن ما يجب ذكره في مجال مساهمة السريان في الترجمات العلمية هو ما أورده " مايرهوف " عن العالم والطبيب السرياني العراقي ( سرجيوس الرأس عيني المتوفي 536 م ) .. " كان أول شخصية علمية شهيرة لدى الناطقين بالسريانية ولم يكن نسطوريا . بل كان قسا سريانيا أرثوذكسيا . ومرجعا لأطباء العراق بلده . وهو الذي شرع في ترجمة آثار الإغريق الطبية إلى اللغة السريانية . ونسبت إليه تراجم عديدة لآراء ( جالينوس ) وكانت سذاجتها وتفاهتها⟨؟⟩ كافيتين لنشر العلوم الطبية الإغريقية وإذاعتها في غربي آسيا لأكثر من قرنين

"ترجم عبد الله بن المقفع ( ت 144 هـ/ 760 م ) . الذي يعد في مقدمة المترجمين عن الفارسية ، " الخداينامه " وسماها ( سير الملوك ) ، وهي عن تاريخ الإيرانيين من وجهة نظر الأرستقراطية عن أحداث إيران . يرى " كلود كاهن " أن المؤرخين العرب قد نهلوا منه معلوماتهم الأساسية في هذا التاريخ كذلك قبس منه الشاعر ( القومي ) الفردوسي . ( هناك ترجمات أخرى للخداينامه غير ترجمة ابن المقفع ، وهناك كتب تاريخية أخرى مترجمة عن الفارسية مثل الإيين نامه ، أيين نامغ ، أو التقاليد أو المراسيم والكاه نامه ، كاه نامغ أو طبقات العظماء ) . وكليلة ودمنة المترجمة من الهندية إلى الفهلوية ترجمها ابن المقفع إلى العربية أيضاً وقد تركت أثرها في النثر العربي والقصة وأصبحت النسخة العربية من ترجمة ابن المقفع لكليلة ودمنة ( أساطير الفيلسوف الهندي بيدبا - كما يعرفها البعض ) المرجع المعول عليه بعد ضياع النسخة السنسكريتية الأصلية والفهلوية المترجمة عنها ، وهي التي نقلت إلى الغرب . يذكر " خودابخش " عن ابن المقفع أنه ( كان أول من جعل المسلمين يدركون أهمية اللغات في العصور الوسطى

يتبع العدد القادم

صورة الصفحة — دور المراكز السريانية في تفاعل العرب والمسلمين الحضاري ٣

اضغط على الصورة لفتحها بالحجم الكامل

→ العدد 594: دور المراكز السريانية في تفاعل العرب وال
العدد 596: دور المراكز السريانية في تفاعل العرب وال ←