فهرس مقالات صوت العرب — Arab Voice Index
العدد 594 — ١٤ حزيران ٢٠٠٨

دور المراكز السريانية في تفاعل العرب والمسلمين الحضاري ٢

The Role of Syriac Centers in the Civilizational Interaction of Arabs and Muslims, Part 2
سريانيات
Arab Voice * June 14th 2008 * Vol.(15) * Issue# 594 — صفحة 29
إعداد وتقديم / حنا عيسى توما / المؤسسة الأمريكية للدراسات السريانية * www.syriacstudies.com ** e-mail : hannaissa@gmail.com
Continuing Dr. Hussein Qasim al-Aziz's study, this installment profiles the great pre-Islamic cultural centers: al-Hira, capital of the Lakhmids; Bosra of the Ghassanids; pagan-Sabian Harran; and Edessa (Urfa), cradle of Syriac Christianity. It shows how each city's Christian and Aramaic-speaking communities later became the conduit of Hellenistic learning to the young Islamic culture.
نصّ منسوخ حرفياً عن صورة الجريدة كما طُبع. الكلمات المعلَّمة بـ ⟨؟⟩ غير واضحة في الأصل المطبوع.Transcribed verbatim from the newspaper scan. Words marked ⟨؟⟩ are unclear in the original print.

أهمّ المراكز الثقافية

أ- الحيرة

كانت الحيرة ( حيرتا - بالسريانية - مخيّم أو معسكر ) التي موقعها على بعد 5 كلم جنوبي الكوفة مركزاً حضارياً في عهد المناذرة حيث كانت عاصمتهم . وفي الحيرة كان يسكن بالإضافة إلى العرب ، النبط ( وهم السريان سكان العراق القدماء ) والإيرانيون والروم ، وهم من أديان مختلفة زرادشتية ونصرانية ويهودية وصابئة . وكانت ملتقى الحضارات القديمة ، وكان أهلها يتكلمون في الغالب العربية ويكتبون بالسريانية لغلبة المسيحية فيها ، ويستخدمون الخط النبطي ( الذي سيعرف بالكوفي بعد الفتح الإسلامي ) ويعرفون الفارسية والآرامية ( سلف السريانية ) . ( وقد فقدت الحيرة أهميتها بعد الفتح الإسلامي ولا سيما بعد إنشاء الكوفة القريبة منها ، غير أنه كان بمقدور كنائسها وأديرتها القريبة منها أن تصبح منبعاً لرواد المعرفة من المؤرخين العرب ، حيث كان باستطاعتهم أن يستلوا من بيعها المخطوطات ويتدارسوها وينقلوا عنها . وكانت قد توافرت في العراق المحتل من قبل الإيرانيين الساسانيين قبيل قدوم العرب المسلمين الفاتحين إليه ظروف موضوعية وذاتية لأن يمارس المسيحيون نشاطهم بحرية أوفر نتيجة تطور العلاقات الاجتماعية وتسامح السلطة الإيرانية الزرادشتية - غير التبشيرية - ما خلق ظروفاً فضلى لممارسة النساطرة السريان الفرقة الأكثر قبولاً وتجاوباً مع السلطة الساسانية ، لمجمل⟨؟⟩ نشاطاتهم الدينية والثقافية والحضارية ، وإن كانت على العموم غير عميقة وذات أبعاد غير فسيحة . وكانت الحيرة - بسبب تابعيتها للدولة الساسانية - متأثرة بالحضارة الإيرانية في عهدها الساساني ، فبنيت فيها وبقربها أشهر قصور المناذرة ( الخورنق ، السدير ، سنداد ، الأبيض ، الفرس⟨؟⟩ ، الزوراء ) وأديرتهم كدير هند الكبرى ، مستخدمين أمهر المهندسين والمعماريين والبنائين من إيرانيين وبيزنطيين وغيرهم . وفي الحيرة قامت دراسات ( أن اليهود كتبوا تلمودهم البابلي - الذي بدأ بكتابته على ما يظهر الحبر آشي ( Rabbi Ashi ) المتوفي العام 430 م ، واكتسب صيغته النهائية في أوائل القرن السادس الميلادي - هناك حيث كانت لهم جالية ) وردت عنها إشارات متعددة فذكر الطبري : " وقد حدثت عن هشام بن محمد الكلبي أنه قال : - إني كنت أستخرج أخبار العرب وأنساب آل نصر بن ربيعة ، ومبالغ أعمار من عمل منهم لآل كسرى وتاريخ سنيهم من بيع الحيرة ، وفيها ملكهم وأمورهم كلها . " ولكن ، بأي لغة وبأي خط كتبت المعارف والحوادث والأشعار ؟ وأين ذهبت تلك المصادر الغنية المهمة ؟ ولماذا لم يرجع لها غير ابن الكلبي من الأخباريين والنقاد والمؤرخين ؟ . . يرى البعض أن ابن الكلبي كان يجهل السريانية ( النبطية ) التي كتبت بها الأخبار . ويشير الباحث الهندي " خدابخش " إلى أن العرب تدين للحيرة بمعرفة فنها في الكتابة . ذلك الفن الذي انتقل من الحيرة والأنبار إلى الحجاز بعد قرن ، بعد أن أنشأ الخليفة عمر مدينة الكوفة ، وأطلق اسم الكوفة على هذا الفن . ويرى فيليب حتي أن الحيرة التي تحكم في شؤونها الإيرانيون قد انتقلت منها مؤثرات الثقافة الآرامية النسطورية إلى الجزيرة في العصور السابقة للنبي (ص) ، وأصبح النساطرة بعدئذ حلقة الاتصال بين الثقافة الهيلينية وبين الثقافة الإسلامية الفتية ويؤكد " ر . بلاشير " هذا الدور بإيضاح مكثف : " . . وكانت العناصر المولدة للتثاقف في بداية الأمر هي من سكان المدن في بلاد الشام والعراق ومصر وكتل الحضريين الريفيين الذين يدورون في فلكهم . وتظهر هذه العناصر بإكليروسها واستعدادها التقليدي للنقاش اللاهوتي وتقاليدها الكتابية ومزاولتها الأعمال والإدارة بمظهر المتمدنين . فظلت التقاليد الرومانية والهيلينية والتراث الإيراني من خلالها على قيد الحياة . "

ب - بصرى

كانت بصرى ( بسترا ) قبل الإسلام تنافس الحيرة بصفتها عاصمة الغساسنة أعداء المناذرة حكام الحيرة . وبصرى وإن لم تكن العاصمة الوحيدة للغساسنة غير أن لها شهرتها ومركزها ومدنيتها التي فاقت منافستها حيث كان الغساسنة أكثر التصاقاً بالبيزنطيين ولا سيما بعد هجرهم لآلهتهم وتنصرهم نظراً إلى مجاورتهم وتبعيتهم للبيزنطيين بالمقارنة مع المناذرة المختلفين مع أسيادهم الزرادشتيين بالعقيدة . كما كانت بصرى مركزاً لشبكة الطرق التي أسسها الرومان لأنها كانت قديماً سوقاً تجارية نبطية فمنها كانت تسير القوافل في كل الاتجاهات . لقد أخذ الغساسنة بالتحضر والتقرب إلى البيزنطيين حتى تنصروا ( الكنيسة السورية الغربية - السريانية الأرثوذكسية ) واتخذوا الآرامية لغة ثانية مع العربية . لقد ذكر حمزة الأصفهاني أن للغساسنة مدناً وقرى وقصوراً قد بنوها في مناطق مختلفة ، حيث اتخذوا عواصم عدة في فلسطين والأردن وأطراف الشام ، كما شقوا الترع والصهاريج وبنوا الأديرة بمعونة المهندسين والمعماريين البيزنطيين ، وكان الرومان قد شقوا وأسسوا بعضها .

لم يكن تأثر الغساسنة بالبيزنطيين واسعاً وعميقاً ومتطوراً جداً . ومع ذلك فقد كانت مراكز الغساسنة تجتذب الشعراء العرب الجاهليين شأنها شأن منافستها الحيرة للهدايا التي كانت تقدم بسخاء . فتسربت ، عن طريق هؤلاء الشعراء وعن طريق التجار والمبشرين ، إلى اللغة العربية - كما يذكر حتي - طائفة من الألفاظ الآرامية ( يطلق على الآرامية في العهود المسيحية : السريانية ) ، من بصرى ومن الحيرة معاً ، منها : ( كنيسة وبيعة ودمية وصورة وقسيس وصدقه ) . ولم تنحصر هذه الألفاظ في ميدان الفكر والدين بل جاوزتهما إلى ميادين الاقتصاد والاجتماع وسواهما من نواحي المدنية المادية كلفظة ناطور ونير وفدان . . ولفظة قنديل في الأصل لاتينية ( كاندلا ) انتقلت إلى الإغريقية ثم الآرامية فالعربية .

ولفظة كاسترم اللاتينية صارت في السريانية ( قسطرا ) وفي الآرامية قصرا ، ومنها قصر في اللغة العربية وهذه هي اللفظة التي أعادتها لغتنا إلى أوربا في صورة كاسرو الإيطالية والكازار الإسبانية .

لقد ورث نصارى المدن الغسانية في العهد الإسلامي خبرات ومعارف أسلافهم وقد استفادوا من إتقانهم للآرامية والعربية والسريانية والإغريقية في الترجمة واستعين بهم لهذا السبب . كما استخدمهم الحكام المسلمون في بناء الجوامع والمساجد والقصور الإسلامية التي حافظت على الطراز البيزنطي بفضل العمال والمهندسين المهرة من أبناء المدن السورية ومنهم أبناء بصرى . كما أن النصارى - كما يذكر بارتولد - قد حافظوا في الجملة على معابدهم وبنوا كنائس وأديرة جديدة دون أن يتعرضوا لمقاومة . وبهذا كانوا الواسطة لنقل التراث المعماري وتطويره في العهد الإسلامي .

ج- حران

تقع على أحد روافد الفرات الشرقية في سورية . ذكرها الأصطخري على أنها ( مدينة الصابئيين وبها سدنتهم السبعة عشر ) . وسكانها من السريان الوثنيين الذين انتحلوا الصابئية تستراً ليعدهم المسلمون من أهل الكتاب . انتقلت إليها وإلى أنطاكية معارف الإسكندرية الهيلينية ولا سيما الطبية لانقطاع صلتها بالروم ، ولهذا ، واصل السوريون في أنطاكية وحران - كما يذكر بروكلمان - حماية تراث بيزنطة وتنميته ونقلوه إلى بغداد . لقد كانت حران مع المدن السورية المهمة الأخرى مراكز علمية ومنارات ثقافية تقوم فيها الدراسات العلمية والفلسفية والدينية - الكنسية . ولما جاء المسلمون حافظت تلك المراكز على مكانتها وأهميتها العلمية لجهل الفاتحين باللغة الإغريقية واللاتينية التي يتقنها الكثير من أبناء السريان المسيحيون منهم والوثنيون ، وقد أشار حتي إلى ذلك : "ولكن العرب لم يعرفوا اليونانية فاعتمدوا في أول أمرهم على ترجمات أخرجها لهم اليهود والوثنيون والنصارى وخاصة النساطرة من النصارى ، وكانت طريقة هؤلاء الأخيرين ، وهم سريان ، أن ينقلوا الكتاب اليوناني إلى لغتهم السريانية ثم يترجموه بعدئذ من السريانية إلى العربية ، وهكذا أصبحوا أعظم حلقة للاتصال بين الثقافة الهيلينية وبين الإسلام . فالثقافة الهيلينية لم تصل إلى العقل العربي إلا عن طريق اللغة السريانية" . ومما لا شك فيه أن اهتمامات الحرانيين الصابئيين والوثنيين بالفلك والرياضيات وتميزهم فيهما يعود في الأغلب إلى عبادة النجوم والكواكب السيارة والعناية بمواقيتها ومراقبة مواقعها ومدارات أفلاكها وتدقيق حسابات أزمنتها وضبط مواعيدها مقرونة بالأبراج والمواسم .

د - الرها ( أدسا Edessa حالياً ، أورفة Urfa )

أشار الأصطخري إلى كثرة أديرتها وصوامعها لغلبة النصارى فيها . وهي أقدم مقر للنصارى السريان ، ففيها تجمع النساطرة القائلون بالطبيعتين . ومنها هاجروا إلى إيران ( 489 م ) بعد أن أصدر الإمبراطور ( زينو ) قراراً بطردهم ، الأمر الذي وفر ظرفاً أفضل بلا شك لأصحاب الطبيعة الواحدة فيها . وكان مطران الرها يعقوب البرادعي ( ت 578 م ) أحد أنصار المذهب المونوفيزي ( أصحاب الطبيعة الواحدة ) المتحمسين حتى عرف هذا المذهب بمذهب الكنيسة اليعقوبية ( السريانية الأرثوذكسية ) نسبة إليه . يذكر " بارتولد " : "لمدينة الرها موقع ممتاز في تاريخ النصرانية وحضارة سورية . وهي وطن خطير لحضارة سورية القديمة ومنشأ الكتابة السريانية" . والجدير بالذكر أن القديس أفرام السرياني المولود في نصيبين كان مدرساً في الرها ( 363 - 379 م ) . ( كانت تقوم في الرها دراسات ومساجلات دينية مذهبية بين اليعاقبة ( السريان الأرثوذكس ) الذين لا يعترفون لعيسى بغير الألوهية ( أي إن في المسيح طبيعة واحدة وإن المسيح هو الله ) . وبين النساطرة ( نسبة إلى الأسقف نسطوريوس ) مطران القسطنطينية ( 428- 431 م ) الذين قالوا إن في المسيح طبيعتين مستقلتين متميزتين تماماً تجمعهما روابط الألفة الوثيقة ، إحداهما إلهية يعمل بها الأمور الإلهية ، والثانية بشرية يسلك بها في الدنيا كما يسلك سائر البشر . وعلى هذا لا تكون مريم والدة المسيح الذي هو ذو الطبيعة الإلهية ( الله ) ، بل والدة المسيح الذي هو ذو الطبيعة البشرية ( عيسى ، الإنسان ) . وإن دوافع تعلم اللغة الإغريقية من قبل النساطرة السريان وكذلك استمرار دراسة العلوم اليونانية في المدن السورية كان قد أعطى تعليله بروكلمان : "والواقع إن دراسة هذه العلوم لم تنقطع يوماً من الأيام في الأديرة السورية ، ذلك لأن لاهوت الكنيسة الإغريقية ، وفي جملتهم ثاودورس المصيصي ذو الأثر العظيم في التفسير النسطوري للكتاب المقدس ، لم يكن ليفهم من غير الرجوع إلى المصطلحات التي استمدها هذا اللاهوت من الفلسفة الأرسطوطاليسية . ولكن الرياضيات والعلوم الطبيعية استطاعت دائماً أن تحظى ببعض الاهتمام أيضاً . مع أن العناية بالمسائل الفكرية كانت محصورة عند السوريين في أيدي رجال الدين . اشتهر من الرها يعقوب الرهاوي ( 640 - 708 م ) الذي أصبح أسقفاً عليها للمذهب السرياني الأرثوذكسي ( 684-688 م ) والذي انصرف إلى التأليف وأعاد النظر في ترجمة الكتاب المقدس المعروفة بـ ( البسيطة ) وفي تتمة تواريخ ( أوسابيوس القيصري ) ( 265 - 339 ) ومنهم نيوفيلوس ( ثاوفيل بن توما الرهاوي الماروني توفي 785 م ) الفلكي الذي أقام في قصر المهدي ( ثالث خلفاء بني العباس ) وترجم الألياذة والأوذيسة الى اللغة السريانية ، وقد ترجم قسماً من ألياذة هوميروس إلى العربية غير أنها لم تحدث - كما ذكر حتي - أدنى أثر في حياة العرب الفكرية ولم تعمر طويلاً . ومنهم تيودوروس أبو قرة ( ت حوالي 820 م ) الذي ولد في الرها وكان راهباً في دير مار سابا ( في فلسطين ) وتلميذاً للقديس يوحنا الدمشقي ، أصبح أسقفاً لحران وله مؤلفات جدلية مع الهراطقة واليهود والمسلمين بعضها باليونانية ومنها بالعربية دافع فيها عن أهم عقائد المسيحية .

يتبع العدد القادم

صورة الصفحة — دور المراكز السريانية في تفاعل العرب والمسلمين الحضاري ٢

اضغط على الصورة لفتحها بالحجم الكامل

→ العدد 593: دور المراكز السريانية في تفاعل العرب وال
العدد 595: دور المراكز السريانية في تفاعل العرب وال ←