فهرس مقالات صوت العرب — Arab Voice Index
العدد 635 — ٢٨ آذار ٢٠٠٩

"سَفَرْ بَرْلِكْ" المأساة الأرمنية - السريانية خلال الحرب العالمية الأولى ١

Seferberlik: The Armenian-Syriac Tragedy of the First World War, Part 1
مجموعة نصوص ووثائق تاريخية تتناول العلاقة الأرمنية - التركية التي أدت الى مجازر السريان الأرثوذكس والتي نسيها العالم منذ أمد طويل
Arab Voice * Vol.#15 * Issue # 635*March 28th2009 — صفحة 25
إعداد وتقديم / حنا عيسى توما / المؤسسة الأمريكية للدراسات السريانية ** e-mail : hannaissa@gmail.com ** www.syriacstudies.com
First part of a series of collected historical texts and documents, presented by Hanna Issa Touma, on the World War I massacres, the Seferberlik, known to Syriacs as the Sayfo. It calls for a scientific, historically grounded study of the 1915 genocide that killed over a million Armenians and a quarter-million Syriacs, lamenting that the Syriac tragedy remains almost entirely unstudied.
نصّ منسوخ حرفياً عن صورة الجريدة كما طُبع. الكلمات المعلَّمة بـ ⟨؟⟩ غير واضحة في الأصل المطبوع.Transcribed verbatim from the newspaper scan. Words marked ⟨؟⟩ are unclear in the original print.

من المتعارف عليه أنّ المؤرخين يولون اهتماماً خاصاً وكبيرا بالتحديات المصيرية التي تواجهه الشعوب . أو المآسي التي تختبرها بعض الأمم وتعاني من ويلاتها . وغالبا ما يشتهر مؤرخ ما لأنه أرخ لمرحلة حاسمة كانت تعتبر منعطفا تاريخيا في حياة المجتمع الإنساني . فكلما دار الحديث عن الإمبراطورية الرومانية مثلا ، جاء ذكر " إدوار غيبون " وكتابه " سقوط الإمبراطورية الرومانية " . لأن كتاب غيبون يمد⟨؟⟩ القارئ بفيض من المعلومات الموثقة والمدعومة بالحجة المنطقية والتحليل الموضوعي للعوامل التي ساهمت في التحولات الجذرية التي مر بها المجتمع الروماني والتي أدت بالتالي إلى انحلاله وتدهوره . ما جعل هذا الكتاب يحتل مكانة رفيعة لدى جميع المعنيين بالتاريخ الروماني . ولكن ، إذا كانت روما قد حظيت بمؤرخ مثل غيبون يؤرخ لأزماتها بدقة علمية فإن الشرق الأوسط ، وإن كان قد واجه ( ولا يزال ) أزمات لا تقل حدة عن تلك التي واجهتها روما ، لم يتح للمؤرخين فيه حرية التفكير والبحث الموضوعيين ، حتى يتسنى لهم تطبيق المنهجيات العلمية على القضايا التاريخية دون الرضوخ لفرضيات مسبقة أملتها السلطة أو روجت لها بعض الأوساط الثقافية أو الدينية . ومع اعتبار أن يكون رائد العمل إنصاف الحقائق التاريخية ، وليس إرضاء هذه السلطة أو تلك.

منذ مذبحة العام 1915 ظهرت كتب عديدة تناولت نشوء الإمبراطورية العثمانية وتطورها وانحلالها ، كتب معظمها مختصون غربيون وشرقيون اهتموا بالأزمات السياسية والاقتصادية والقومية والاجتماعية وحتى الثقافية لدى العثمانيين . غير أننا لم نعثر حتى الآن على كتاب واحد يتناول أبديولوجية الأتراك القومية التي تطورت مع بداية القرن العشرين ، والتي نشأت منها عنصرية عرقية دينية حرضت العثمانيين الأتراك على تغيير نظرتهم إلى الأقليات وتعديل موقفهم منها وبالتالي الإقدام على تصفيات جماعية لهذه الأقليات. ليس هناك من أرخ للمذابح التي أودت بحياة أكثر من مليوني أرمني ونصف مليون سرياني ما خلا بعض الكتاب الأرمن . وليس هناك أيضا من يحدد بدقة علمية السياق العام للأحداث العالمية والشرق أوسطية التي سبقت المذابح أو عاصرتها ومدى الدور الذي قامت به تلك الأحداث في التحريض على تصفية السريان الذين اشتهروا منذ فجر المسيحية باهتمامهم بالقضايا الثقافية والعلمية . تلك القضايا التي من أجل نشرها وتطويرها بنوا جامعات ( جنديسابور ، والرها ، ونصيبين ، ورأس العين ، ولافات⟨؟⟩ ) التي درست ونشرت علوما يونانية وسريانية ساهمت كثيرا في تطور الشعوب البيزنطية والفارسية والعربية والعثمانية وتقدمها .

صحيح أنّ المسيحية قاسم مشترك بين السريان والأرمن ، إلاّ أنّه لم يكن للسريان ثمّة همّ سياسي ، ولم يطالبوا بإقامة وطن لهم . بل اكتفوا بأن يكونوا مواطنون يتقيدون بقوانين المجتمعات التي تواجدوا فيها . وعبر تاريخهم الطويل كان السريان قد انفتحوا على جميع شعوب تلك المجتمعات سواء كانت وثنية أو مسيحية أو مسلمة وتفاعلوا معها وعملوا على تقدمها . لذلك ، يبقى أمر المذابح التي تعرض لها السريان لغزا يستحق البحث الجدي .

سواء أكانت للمذابح الجماعية التي تعرّض لها الأرمن والسريان علاقة بالشؤون السياسية أو القومية لهذا البلد أو ذاك أم لا إلاّ أنها لا يجوز أن يتجاهلها المؤرخون والباحثون لأنها تبقى ، في جوهرها مسألة تهم البشرية جمعاء بما في ذلك هؤلاء الذين ارتكبوها . لأنّ الذين أقدموا على القتل والتدمير هم من حيث الجوهر بشر كالذين تمت إبادتهم ولم يتحولوا إلى قتلة إلا في ظل نظام سياسي واجتماعي أضفت أبديولوجيته الصفات المثالية المطلقة على مثل المواطن العثماني وقيمه وأفكاره وجردت الآخرين ( الأقليات الأرمنية والسريانية ) من قيمهم ومثلهم البشرية تمهيدا للقضاء عليهم . فأبديولوجية العثمانيين الأتراك القومية كانت قد كونت بيئة ثقافية ونفسية جعلت الفرد العثماني ينشأ على مطلقية شخصيته⟨؟⟩ القومية وصفاءها وسموها وتميزها وتفوقها. وكانت هذه الأبديولوجية قد هيمنت على مؤسسات المجتمع السياسية والاجتماعية والتربوية والثقافية والدينية لدرجة أن الإنسان العثماني لم يكن إلا صدى لها . بمعنى آخر ، إن الأيديولوجية كانت قد استبدت بالإنسان العثماني وصارت هي التي تفكر وتفعل وتشرع بحيث صار الفرد العثماني أداة في يد الأبديولوجية الحاكمة .

لذلك ، ينبغي أن تُدرس المذابح التي أقدم عليها العثمانيون من منظور تاريخي وأبديولوجي ولا علاقة لذلك كله بجوهر الفرد العثماني . فهو من حيث الجوهر لا يختلف عن الأرمني أو السرياني . الاختلاف هو في الإطار الأيديولوجي الذي يحدد رؤية الإنسان لنفسه وللآخر ، لأنه عندما يقدم الإنسان على فعل إيجابي أو سلبي فهو ينطلق من قواعد فكرية ( أيديولوجية ) هي بمنزلة قناعات مطلقة لديه . لا يراوده الشك في مصداقيتها وشرعيتها ، لدرجة أنه ليس قادرا على أن يفكر أو أن يفعل إلا من خلال تعليلها وتبريرها وتشريعها . فالإبادة فعل استوجبته وبررته مسبقا أيديولوجية عنصرية قبل أن تنفذه أيد بشرية . لذا ، نرى ضرورة القيام بنقد علمي شامل لمثل هذه الأيديولوجيات التي تحرم الإنسان التفكير العلمي والانفتاح على الآخرين ، والقبول بهم وإن اختلفوا عنه في سياستهم ودينهم وقوميتهم وثقافتهم .

عندما نؤكد على تحديد إطار مذبحة العام 1915 التاريخي فإننا ننطلق من مبدأ أن المذبحة هي ظاهرة تاريخية محضة . وعندما ندرسها كظاهرة تاريخية نستطيع بذلك تحديد المسؤولية دون السقوط في متاهات التجريد والتعميم التي مارسها بعض الكتاب الذين تعرضوا للمذبحة . مثلاً . بعض الكتب العربية التي أرخت لمذابح السريان التي وقعت في العام 1915 اكتفت ، عامة ، بوصف المذابح وطريقة تنفيذها في معزل عن السياق التاريخي العام . فالأحداث على الرغم من مأساتها وبشاعتها تكاد تكون سلسلة من الحوادث الاعتياطية المجانية التي قلما تجد لها تبريرا منطقيا أو عقليا . لأن مؤرخي تلك الأحداث اكتفوا بتصوير الحدث بذاته دون أن يعلّلوا خلفياته ودوافعه أو يحددوا العوامل المحرّضة على وقوعه والتي هي عوامل تاريخية بحتة . لذلك ، التبس عليهم - وعلى قرائهم - فهم الغاية أو الغرض السياسي والقومي والاستراتيجي من وراء تلك المذابح .

إن أيّ حدث تاريخي لا بدّ أن يصدر عن جماعة معيّنة لها ظروفها التاريخية, وانخراط أي جماعة في أي فعل أو حدث تاريخي لا بد أن يكون مشروطا بجملة من العوامل وله بعض المبررات ، وبالتالي ، لا بد من أن يهدف القيمون على الحدث إلى تحقيق غاية ما . هكذا ينبغي أن ننظر إلى التاريخ لكي يتسنى لنا فهم آلياته وأغراضه . عندما يدرس الحدث التاريخي من منظور علمي عندها يستطيع القارئ والدارس أن يفهما الحدث على أنه ظاهرة تاريخية ، أي ظاهرة تنشأ في مكان وزمان ، وتخضع لشروط معينة ، وتمثل جماعة لها سياسة معينة ، وترمي إلى تحقيق غرض معين ضمن مرحلة تاريخية معينة . فالحدث التاريخي لكي يفهم. لا بد أن ننظر إليه على أنه جزء من كل ، وحين نفهم طبيعة المرحلة التاريخية واتجاهاتها العامة . عندها نستطيع أن نفهم علميا ما حصل في التاريخ.

رغم أنّ التاريخ هو منهج ينصبّ على دراسة الماضي إلاّ أنه دائما يتوجه إلى الإنسان في الحاضر . يستجلي المؤرخ الغموض والالتباس والاختلاط الذي قد أحاط بالأحداث التاريخية حتى يوفر لنا . في الحاضر ، صورة جلية واضحة متحررة من الأوهام التي علقت بأذهان الناس . بمعنى آخر ، إن مهمة المؤرخ الرئيسية لا تنحصر في أن يضعنا في اتصال علمي مع الماضي لكي نفهم كيفية تكوينه ومقوماته واتجاهاته وحسب ، بل تمتد إلى تبيان مدى استمرار مؤثرات ذلك الماضي في حاضرنا وأثره في حياتنا الآن . حين تتوافر لدينا نظرة إلى التاريخ علمية نقدية نكون بذلك قد اطلعنا على الماضي بتجرد وموضوعية, وتوافرت لنا الجرأة في نقد الماضي ، والتحرر من عقدة النقص والتبجح ، وانفتحنا على نحو خلاق على إمكانات الحاضر والمستقبل .

بعض نتائج هذه النظرة العلمية للتاريخ تمّ تطبيقه ، إلى حد ما، على مذابح العام 1915 التي أودت بحياة أكثر من مليون أرمني وزهاع ربع مليون سرياني. قد يجد القارئ فيضا من المعلومات عن القضية الأرمنية كتبتها أقلام غربية أو باحثون أرمن. المؤسف في الأمر أنه، حتى الآن، لا يوجد كتاب موضوعي واحد يتناول المذابح التي تعرض لها السريان . وحين يتناول الباحثون الأرمن موضوع مذابح عام 1915 . لا يأتي أحد على ذكر المجازر التي تعرض لها السريان رغم تزامن المذبحتين وتلاحمها⟨؟⟩. وكأن المذابح صارت حكرا لجماعة معينة دون أخرى . إن هذه الدراسة ، على أهميتها تبقى محاولة متواضعة همها تعريف القارئ بالخلفيات السياسية والقومية والثقافية التي تبلورت في بداية القرن العشرين ومهدت تدريجيا للمذبحة . أما غاية هذه الدراسة الرئيسية فهي تعميق الوعي العلمي للتاريخ الذي رافق مذبحة العام 1915 وتأصيله.

الابادة الجماعية

لا يستطيع المرء تصور خطورة الإبادة الجماعية وثقلها . لقد وصفت بأنها " الصفحة الأشد سوادا في التاريخ المعاصر " . أنها شديدة البشاعة ورهيبة ، حتى نكاد لا نصدق أعداد الضحايا . إن المجازر البشرية التي قام بها السلطان عبد الحميد (1842 - 1918) ضد الأرمن والمسيحيين بين العامين 1894 و1896 والتي أودت بحياة أكثر من مائتي ألف شخص كانت أول لقاء حقيقي للكتاب والمؤرخين الغربيين مع بربرية الحكومة العثمانية . وتعتبر هذه المجازر تجربة ( بروفة ) لمسرحية الإبادة الجماعية التي قامت بها حكومة ( تركيا الفتاة ) في العام 1915 . ولم يفشل هؤلاء الكتاب في الاستجابة لهذه الهزة المرعبة ، فلقد كتب شهود عيان ودبلوماسيون ومراسلو صحف وبعثات إنسانية من عدة دول مئات من المقالات والقصص القصيرة والكتب ، كلها صورت الوحشية والهلع ولكن ، دون أن يكون هناك أي تحليل علمي واف يتناول ما جرى

أسبابه الحقيقية

في العام 1909 وقعت مجزرة أخرى في أضنه قضت على حياة ثلاثين ألف شخص . وهنا أيضا . وكالسابق ، تكررت ردود الفعل الكتابية التي لم تعبر إلا عن الحزن والأسى .

لقد نظّمت السلطات التركية عملية الترحيل وخططت لمجازر المسيحيين لحماية نفسها من " المشكلة الأرمنية " . وبغية خلق نظام متجانس جديد . ومن خلال القتل والإبادة استطاعت حكومة " تركيا الفتاة " إزالة الأرمن ومعظم السريان من الإمبراطورية العثمانية وتدمير أصالة هذين الشعبين التاريخية . وتحريف البنية القومية والشخصية الدينية للمنطقة . أما الجيل المنفي فلقد ركز قواه ، وما زال ، على تضميد جراح هذه المجازر وعلى تنظيم المدارس وبناء الكنائس والعمل على إيجاد خلفية ثقافية قومية لإحياء التراث ومحاولة الحد من الانصهار والاندماج في المجتمعات الجديدة .

إنّ هدفنا من هذه الدراسة هو إثارة ثلاثة أسئلة : ما الذي حدث ؟ ولماذا حدث ؟ وما الذي تعلمناه من " المشكلة الأرمنية " ؟ علها تلقي الأضواء على بعض الحالات الأخرى .

صورة الصفحة — "سَفَرْ بَرْلِكْ" المأساة الأرمنية - السريانية خلال الحرب العالمية الأولى ١

اضغط على الصورة لفتحها بالحجم الكامل

→ العدد 634: فتح بغداد وانقراض الدولة العباسية
العدد 636: سَفَرْ بَرْلِكْ — المأساة الأرمنية السري ←