فهرس مقالات صوت العرب — Arab Voice Index
العدد 614 — ١ تشرين الثاني ٢٠٠٨

التاريخ ٢

History, Part 2
Arab Voice * Vol.#15 * Issue # 614 * Nov. 1st 2008 — صفحة 29
إعداد وتقديم / حنا عيسى توما / المؤسسة الأمريكية للدراسات السريانية
The second part of the essay on history surveys the world's first historians, from Herodotus to the great Arab chroniclers such as Ibn Khaldun, with special attention to famous Syriac historians, Bar Hebraeus and Patriarch Michael the Great and their works. It also covers dating systems used by different peoples, the modern transformation of history into a science, and classic sayings in praise of history.
نصّ منسوخ حرفياً عن صورة الجريدة كما طُبع. الكلمات المعلَّمة بـ ⟨؟⟩ غير واضحة في الأصل المطبوع.Transcribed verbatim from the newspaper scan. Words marked ⟨؟⟩ are unclear in the original print.

واضع علم التاريخ

ان واضع علم التاريخ غير معلوم إنما يؤخذ من الكتابات المنقوشة على العاديات المصرية والآشورية أن المصريين والآشوريين القدماء كانوا أكثر الناس ميلاً الى تدوين حوادثهم بالكتابة الهيروغليفية والمسمارية على الصخور والحجارة والآجر. ويقال أن الرغبة في تدوين الأخبار قصد اطلاع الأحفاد والأعقاب عليها هي التي دفعت الانسان الى استنباط الكتابة.

أول مؤرخي العالم

أول مؤرخ كتب التاريخ على الطريقة العلمية هو هيرودتس الرحالة اليوناني الذائع الصيت الملقب بأبي التاريخ. وظهر بعده في القرن الرابع قبل الميلاد مؤرخ اسمه تسياس وهو طبيب فارسي كتب كتاباً في تاريخ الفرس القديم. وهيرودتس هذا وتسياس وهوميروس الشاعر اليوناني الذي نظم أشعاره القصصية في القرن العاشر قبل الميلاد هم عمدة التاريخ القديم واليهم المرجع في تحقيق الحوادث القديمة فيما عدا التاريخ المقدس.

اول كتاب مقدس تاريخي

اول كتاب مقدس دونت فيه الحوادث والوقائع التاريخية بصورة منسقة هو التوراة وقد كتبت في القرن الخامس عشر قبل الميلاد.

المؤرخون

المؤرخون هم الفئة التي تتفرغ لتحقيق الحوادث وتمييز غثها من سمينها والبحث عن أسبابها ونتائجها وعواقبها وهم يقسمون من حيث صحة الرواية الى قسمين: راوون ومشاهدون. إما الراوون، فهم الذين ينقلون ما يرونه اما سماعاً أو استدلالاً. والمشاهدون هم الذين يشاهدون الوقائع بأنفسهم ويدونون ما يشاهدونه ويسمى المؤرخ المشاهد "شاهد عين" وهؤلاء أصدق المؤرخين وأولى بالإعتماد على تواريخهم لا سيما اذا خلصوا من شوائب الاغراض.

علاقة الجغرافية بالتاريخ

للجغرافية علاقة كلية بالتاريخ من شأنه أن يسجل الحوادث التي جرت. والجغرافية من شأنها أن تفيدنا عن الأماكن والبلدان التي حدثت فيها تلك الحوادث. وهنالك علوم تعد مساعدة للتاريخ ونبراساً للمؤرخ وهي: علم معرفة التآليف والكتب Bibliography معرفة الكتب القديمة Pateography علم المسكوكات القديمة Numismatics علم الكتابات Epigraphy علم السجلات Sigilography السياسة او مؤامرات الدول واتصالاتها Diplomacy علم التوقيت chronology علم الآثار القديمة Archaology علم قراءة الاقلام Calligrapyh علم اللغات Linguistics.

أشهر مؤرخي السريان

ان أشهر مؤرخي السريان هو العلامة الكبير مار غريغوريوس ابن العبري مفريان المشرق المعروف بأبي الفرج الملطي المتوفي سنة 1286 الذي خلف آثاراً أدبية جليلة نشرت أسمه في سائر الآفاق وخلدت ذكره على مر الأيام. وقد رزقت مؤلفاته القيمة حظاً من عناية ذوي الفضل في الشرق والغرب نخص بالذكر منها تصانيفه التاريخية التي نالت قسطاً وافراً من إهتمام العلماء وهذه التواريخ عبارة عن تأليف واسع وضعه بالسريانية ودعاه كتاب تاريخ الأزمنة وقسمه الى ثلاثة مجلدات: يحتوي اولها كتاب تاريخ الدول يتضمن اخبار العالم ودولة العشر الكبرى منذ الخليقة الى قرب سنة وفاة المؤلف 1284 وقد نشر هذا القسم بالطبع الأب بيجان سنة 1890. اما القسم الثاني فهو فرعان: فرع يتضمن أخبار قدماء الأحبار وأسماء بطاركة انطاكية مع ذكر تراجمهم وأخبارهم. وفرع يبحث عن مفارنة المشرق الذين أورد اخبارهم مفصلة الى زمانه وهذا القسم ايضاً نشره بالطبع المستشرقان ابلوس ولامي سنة 1872 – 1873 في لوفان.

وعرّب المؤلف القسم الأول من تاريخه الى العربية تلبية لطلب بعض وجهاء العرب ودعاه بتاريخ مختصر الدول وقد ضمنه أموراً كثيرة لا توجد في المطول السرياني ولا سيما فيما يتعلق بدولتي الاسلام والمغول وتراجم العلماء والاطباء وهذا التاريخ طبع لأول مرة سنة 1663 في مدينة اكسفورد بالعربية واللاتينية بمراجعة العلامة يوكوك⟨؟⟩ وهي طبعة نادرة الوجود كثيرة الاغلاط ثم ترجمة بور الى الالمانية سنة 1783 وأعيد طبعه بالعربية سنة 1890 في بيروت بهمة الاب صالحاني.

روى المؤلف كل ما روى في تواريخه عن خبرة، وذكر الوقائع والسير والتراجم على ضياء الشمس لا رسم القلم ولولاه لفاتتنا حوادث كثيرة. وذكر الكثيرين من مشاهير الشرق وكتبته المبرزين لا سيما أنه أخذ عن غيره من المؤرخين من ضاعت تآليفهم أو عزّ وجودها وهذا ما جعل الاوربيين يتهافتون على اقتناء تواريخه في نشرها طمعاً في جليل فوائدها.

يلي ابن العبري البطريرك ميخائيل الكبير (+ 1199) صاحب التآليف النفيسة منها تاريخه السرياني الكبير من عهد الخليقة الى أواخر أيامه وقد عني بنشره الاب يوحنا شابو (J. B. Chabot) مع ترجمته الى الفرنسية (باريس 1898 – 1910) ولهذا التاريخ ترجمة أرمنية نقلها الى الفرنسية لانجلو (V. Langlois) ونشرها سنة 1868. وروى الناشر في مقدمة الكتاب أن الورتبيت داود ترجم القسم الأول منه وأكمل ترجمة القسم الثاني القس اسحق سنة 1248 مضيفاً اليه أهم الحوادث التي جرت في أيامه. وقد نشر بعض فصول من هذا التاريخ دولوريه (Dulaurier) في المجلة الآسيوية. وللتاريخ المذكور ترجمة عربية ركيكة بالخط الكرشوني يوجد منها أربعة نسخ الاولى في مكتبة دير الزعفران والثانية في مكتبة ديرنا مار مرقس بالقدس والثالثة في المتحف البريطاني في لندن والرابعة في قرية صدد. ويرتقي تاريخ هذه الاخيرة الى القرن الخامس عشر نسخها أحد رهبان دير مار موسى في النبك اسمه "ريان⟨؟⟩ عبدالله الحلبي من عيلة الشدياق".

وهناك فئة من المؤرخين عاشت قبل الجيل العاشر منها يوحنا اسقف آسيا الآمدي الذي طبع تاريخه كورتون سنة 1853. ومار يعقوب الرهاوي صاحب التاريخ الذي ذكره مراراً ايليا مطران نصيبين. والبطريرك ديونوسيوس التلمحري مؤلف التاريخ الشهير الذي أسهب في وصفه العلامة ريت وغيرهم ما لا يسعنا الوقت لذكرهم.

اشهر مؤرخي الكنيسة

ان أشهر مؤرخي الكنيسة هو اوسابيوس اسقف قيصرية فلسطين ولد نحو سنة 270 م وجعل اسقفاً على قيصرية فلسطين سنة 315 وتوفي نحو سنة 338 وهو أبو التاريخ الكنسي. يقع تاريخه في عشر مجلدات وأشتهر بكونه أهم تاريخ كنسي وضع في الازمنة القديمة.

مشاهير المؤرخين في الأعصر القديمة

اشتهر في الأعصر القديمة جماعة من المؤرخين نخص بالذكر منهم سنكنياتون المؤرخ الفينيقي، وفيلون الجبيلي، ومانيثون الكاهن المصري الذي عاش في القرن الثالث قبل المسيح، وكنفوشيوس المشترع الصيني معاصر هيرودتس، وبدروسوس الكاهن الآشوري الذي صنف تاريخاً وقدمه لبطليموس فلادلفوس ملك مصر سنة 283 ق. م. واكسينوفون اليوناني الذي وصفه شيشرون بأن كتاباته أحلى من العسل فلقب بالنحلة وتوفي سنة 355 ق م. وديونوسيوس الهاليكرناسي اليوناني الذي الف كتاباً في آثار رومية القديمة في عشرين مجلداً فقد معظمه ويوسيفوس المؤرخ العبراني الشهير في رومية سنة 103 م.

مؤرخوا العرب

اما مؤرخوا العرب فكثيرون وقد استقصي ما صنفوه من التواريخ فبلغ زهاء الف وخمسمائة وأشهرهم اليعقوبي وابن بطريق وابن جرير الطبري وابن خلدون وابن الأثير وابن خلكان وابن العبري وابي الفداء وابن الوردي والرازي والبخاري والمقريزي والادريسي والمسعودي والاصبهاني وابن الجوزي وابن المحاسن والنويري وابن عربشاه وابن بشكوال وغيرهم كثيرين يطول بنا ذكرهم.

أعظم مؤرخي العرب: ان أعظم مؤرخي العرب بلا مراء هو العلامة ابن خلدون فقد أتى على ذكر فواعل الأحداث ونتائجها وذكر ما للهيئة والبيئة والاقتصاد من العلاقات في تكوينها ومقدمته تعرف عند الغربيين باسم (Prologamina) وقد ترجمت هذه الى جميع اللغات الحية.

العظماء الذين ولعوا بالتاريخ

كان الاسكندر مولعاً جداً بمطالعة أشعار هوميروس التاريخية، والسلطان سليم الفاتح كان يطالع سير القياصرة، والملك كارلوس الخامس كان منكباً على مطالعة سيرة الملك لويس الحادي عشر، وكان الامبراطور شارلمان مغرماً بالتاريخ حتى انه كان يقيم اناساً يقرأون له فصولاً منه أثناء تناوله الطعام. ويروى عن نابليون الأول أنه كان منشغفاً بمطالعة سيرة يوليوس قيصر بطل الرومان وهنيبال القرطجني.

أنواع التاريخ

للتاريخ معنى آخر وهو: عصرٌ، او مدة طويلة من الزمن وقعت في بدايتها حادثة عظمى كظهور نبي أو تبدل دولة او تأسيس مدينة. هذا ما نعنيه عندما نقول التاريخ الميلادي والتاريخ الهجري. أما الحوادث التي يجعل المؤرخون ابتداء تاريخهم منها فتختلف بإختلاف الأمم والممالك. فاليونانيون يبدأون بتاريخهم من الألعاب الأولمبية التي كانت تجري مرة كل أربع سنوات، والرومانيون من بناء مدينة روما، واليهود من خلق آدم، والمسيحيون من ميلاد المسيح، والمسلمون من هجرة النبي من مكة الى المدينة وقد جرت في 16 تموز سنة 622 م وهم يؤرخون بالليالي لاعتمادهم على رؤية الهلال، والأقباط يؤرخون من مقتل الشهداء في عهد الامبراطور ديوكلسيانوس فيبدأون من يوم تولية هذا الامبراطور في 29 آب سنة 284 م. والارمن يعتبرون يوم اجتماع (تيِن⟨؟⟩) الذي حرم أحكام مجمع خلقيدونية بدءا لتاريخهم وقد عقد في 9 تموز سنة 522.

علم التاريخ امس واليوم

كان التاريخ في باديء أمره عبارة عن سرد وقائع متناسقة وأخبار متتابعة خالية من الفائدة العلمية. فكان المؤرخون يعنون بتدوين أسماء الملوك والسلاطين وتعيين أوقات جلوسهم ووفاتهم وأشهر حروبهم ووقائعهم مع بيان عدد الجنود التي أنزلوها الى ميدان الحروب ومقدار القتلى والاسرى الى غير ذلك من الامور التي لا ينطوي تحتها فائدة تذكر. فأهملوا البحث عن حالة الأمة من الوجهة الاجتماعية والاقتصادية والصناعية. وهكذا بقي التاريخ لا يكاد يكون له شأن مذكور بين العلوم والفنون الى القرن التاسع عشر حين نهض بعض المحققين فصيروه علماً قائماً بذاته فخرج اذ ذاك عن كونه وقائع مسرودة الى حقائق سياسية واجتماعية مرتبطة بالآداب والمؤثرات الاقتصادية والمواقع الجغرافية وأصبح من العلوم التي يتلقاها الطلبة في المدارس فوضعت في أصوله الكتب الموثوقة المأخوذة عن أصدق المصادر الفها فريق من الكتبة الذين قلبوا خزائن الأوراق الرسمية لحكوماتهم رأساً على عقب ولم يسأموا من التنقيب بين ألوف السجلات الرازخة تحت غشاء من غبار الأجيال التي مرت عليها سعياً وراء الحقائق التاريخية الموجودة فيها.

ما قيل في التاريخ

لقد أكثر العلماء من تحديد التاريخ ووصفه والتنويه بفضله وهاك شيئاً مما قيل فيه بجعله⟨؟⟩ مسك الختام لبحثنا هذا:

قال ابن خلدون فيلسوف مؤرخي العرب:

«اعلم أن فنّ التاريخ فنّ عزيز المذهب جم الفوائد شريف الغاية اذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم والأنبياء في سيرهم والملوك في دولهم وسياستهم حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدين والدنيا».

وقال احد الفلاسفة القدماء:

«أعظم أمر يبحث عنه الانسان هو الانسان».

وقال ابن الاثير:

«التاريخ معاد معنوي يعيد الأعصار وقد سلفت وينشر أهلها وقد ذهبت آثارهم وعفت، وبه يستفيد من عقول التجارب من كان غراً ويلقى من بعده من الامم وهلم جرا فهم لديه أحياء وقد تضمنتهم بطون القبور وعنه غيب وقد جعلتهم الأخبار في عداد الحضور. ولولا التاريخ لجهلت الأنساب ونسيت الأحساب ولم يعلم الانسان ان أصله من تراب وكذلك لولاه لماتت الدول بموت زعمائها وعمي عن الأواخر أحوال قدمائها ولم يجد علماً بما تداولته الارض من حوادث سمائها».

وقال الجبرتي في تاريخه «عجائب الآثار في التراجم والاخبار» ما يأتي:

«اعلم أن فن التاريخ من أجلّ الفنون قدراً وأعمها بين الأنام فائدة اذ به عرفت الشرائع والأحكام وما جرى للأمم في سالف الأزمان من غرائب الحوادث التي تستنير بها الأذهان. فلا جرم ان كانت مطالعة الكتب التاريخية منتجة للتخلي عن الخصال المذمومة والخلال الردية والتحلي بالأخلاق الشريفة ومحاسن الفضائل والسير المنيفة ليطلع بها الانسان في يسير من الزمان على وقائع آلاف من السنين كأنه قد عمر وشاهد هذا الحين فهو فن تشد اليه الرحال وتسموا اليه همم الملوك والاقيال منافعه عامة تشترك فيها الخاصة والعامة تندرج فيه علوم كثيرة لولاه ماثبتت اصولها ولا تشعبت فروعها».

وجاء في كتاب «أخبار الدول وآثار الأول» للقرماني ما يأتي:

«علم التاريخ هو الأخبار عن الكائنات السابقة في العالم والحادثات سواء عهد حالها أو تقادم فهو السبيل الى معرفة أخبار من مضى من الأمم وكيف حل بالمعاند السخط والغضب فآل أمره الى التلف والعطب وكشف عورات الكاذبين وتمييز حال الصادقين ولولا التاريخ لماتت معرفة الدول بموت ملوكها وخفي عن الاواخر عرفان حال الأول وسلوكها».

وقال موفق الدين البغدادي

«وينبغي للانسان أن يقرأ التواريخ وان يطلع على السير وتجارب الامم فيصير بذلك كأنه في عمره القصير قد أدرك الامم الخالية وعاصرهم وعاشرهم وعرف خيرهم وشرهم».

وقال بعض الملوك يوصي ولده:

«يا بني لا تغفل عن قراءة الكتب ولا سيما التواريخ القديمة فإنك تطلع بها بكل سهولة على ما كسبه غيرك بكل مشقة».

هذا ما عنّ لنا كتابته في هذا الموضوع ولعلّ القراء من أبناء شعوبنا يجدون فيما كتبناه دافعاً لدرس تاريخ أجدادهم حتى اذا ما علموا أخبارهم ووقفوا على احوالهم أقتفوا خطواتهم وساروا على آثارهم.

صورة الصفحة — التاريخ ٢

اضغط على الصورة لفتحها بالحجم الكامل

→ العدد 613: التاريخ
العدد 623: السريان ومنطقة الجزيرة السورية ١ ←