فهرس مقالات صوت العرب — Arab Voice Index
العدد 613 — ٢٥ تشرين الأول ٢٠٠٨

التاريخ

History, Part 1
ليس بإنسانٍ ولا عاقـل من لا يعي التاريخ في صدرهِ ~ ومن درى اخباراً من قبله أضاف أعمـاراً الى عمرِه
Arab Voice * Vol.#15 * Issue # 613 * October 25th 2008 — صفحة 29
إعداد وتقديم / حنا عيسى توما / المؤسسة الأمريكية للدراسات السريانية
An introductory essay on history as a discipline: its definition, subject matter, and importance for awakening national feeling. It explains historians' sources, contemporary writings, oral tradition, and ancient monuments, and outlines the standard divisions of time, from the prehistoric Stone, Bronze, and Iron Ages through the ancient, medieval, and modern eras, closing with the branches of civil, religious, and natural history.
نصّ منسوخ حرفياً عن صورة الجريدة كما طُبع. الكلمات المعلَّمة بـ ⟨؟⟩ غير واضحة في الأصل المطبوع.Transcribed verbatim from the newspaper scan. Words marked ⟨؟⟩ are unclear in the original print.

تعريفه

التاريخ لغةً تعين الوقت. ومصطلح علمي يبحث عن أحوال الأمم الغابرة وانباء العصور السالفة واخبار الوقائع الماضية بوجه الحقيقة والتفصيل منذ فجر الحياة الى يومنا هذا. وهو من أهم العلوم التي يفتقر الانسان اليها اذ به تستنير الأذهان في معرفة نفسية الشعوب وعلل سقوطها وأسباب نهوضها. ولولا التاريخ لجهل الأحفاد أخبار الأجداد وغابت أخبار السلف عن الخلف. فهو كما وصفه شيشرون الخطيب الروماني: أنه شاهد الأزمنة، ونور الحق، وحياة الذكر، ومدبر الحياة ورسول القدم.

موضوعه

هو أخبار الماضين من الأنبياء والحكماء والمشاهير والدول من حيث نشأتها ونموها وهبوطها والأمم من حيث أخلاقها وعاداتها وأنسابها وصنائعها وعقائدها وتجاراتها. فهو يتضمن البحث عن ذلك كله مع تعيين الاوقات وبيان العلل والأسباب. فليس التاريخ مجرد سرد القصص والأحاديث بل هو حقائق سياسية واجتماعية ذات علاقة بالآداب والمؤثرات الاقتصادية والمواقع الجغرافية. فكل حادث تاريخي نتيجة عما قبله وسبب لما بعده فإذا تهيأت الأسباب حصلت المسببات. وما التاريخ سوى سلسلة حوادث متصلة الحلقات يجمعها جامع السببية.

أهمية التاريخ

للتاريخ أهمية كبرى بالنظر للمميزات التي امتاز بها عن سائر العلوم فهو يوقظ روح الهمة والانتباه في نفس مطالعه ويضرم نار الحمية الوطنية في قلب دارسه. وحسبنا دليلاً ساطعاً على عظم أهميته شدة اعتناء الغربيين به واهتمامهم الزائد بتدريسه في مدارسهم وتفننهم الغريب في أساليب تلقينه لطلابهم وتوسعهم العجيب في فروعه شأنهم في بقية العلوم العصرية. فالمربون عندهم يوسعون له المقام الأول بين الدروس وينزلونه المنزلة اللائقة به في برامج المدارس وعليه يعولون في بث الروح الوطنية والعاطفة القومية في نفوس الصغار من أبناء قومهم. وفضلاً عن هذا فقد دلت التجارب على ان التاريخ من جملة العوامل القوية التي تمهد أسباب النجاح أمام الذين يتولون احدى المناصب الوطنية او الوظائف المالية او الخدم الاجتماعية. اذ قلما يتوفق الانسان الى ما يرمي اليه في احدى هذه الوظائف ان لم يكن عارفاً الحقائق التاريخية معرفة تامة مطلعاً على دقائقها اطلاعاً واسعاً. لأن التواريخ كما قال باكون شيخ فلاسفة الانكليز "تجعل الانسان ذكياً".

والمطلع على حقائق تاريخ أمته ليس كمن يجهلها لأن الأول بمعرفته ماضي أمته ووقوفه على أدوارها السالفة التي مرت بها تضطرم في قلبه نار المحبة الجنسية التي طبع الانسان عليها فينصرف اذ ذاك الى التفاني في سبيل خدمتها مغالياً في الحرص على صوالحها بكل ما أوتيه من حول وقوة متطرفاً في محبتها. أما الثاني فلجهله ماضي أمته تصغر في عينيه قيمتها فيعرض عن خدمتها وتهون عليه مصالحها. وهو لا يبالي بأمر من أمورها سواء ان نهضت او كبت لأن الاشياء ترخص عادة في نظر أصحابها اذا جهلوا قيمتها وتغلو في أعينهم متى علموا ثمنها. ومن الامور المقررة أن الأشياء لا تقدر الا بعد ان تعرف ماهيتها.

وما يؤسف له أن نرى ابناء شعبنا جاهلين تاريخ أمتهم وقوميتهم معرضين عن درس حقائقه ولا يخفى ما لهذا النقص الاجتماعي من التأثير في حياة الشعب ومصيرها فقد اوشكت المحبة الوطنية أن تزول من قلوبهم وهانت عليهم الطائفة كما هان الفلس عند المبذر. وقد شبه أحد المشاهير الأمم التي تجهل تاريخها بالأبناء الذين يجهلون آباءهم.

فوائد التاريخ

فوائد التاريخ كثيرة ويمكن حصرها فيما يأتي:

١- ان الانسان بمطالعة التاريخ يقف على جميع التقلبات التي طرأت على الكون منذ أول عهده. فيعلم حوادث البشر في الأزمنة الماضية ويقف على عقائد الأمم البائدة ومدنيتها وسائر أحوالها بوجه التفصيل كأنه قد عاش منذ بداءة العالم وشاهد كل الوقائع بعينه مع أن عمر الانسان قصير جداً فمطالعة التاريخ تزيد من عمره.

٢- بمطالعة أخبار الماضين يتعظ المرء فيتخذ العبرة والمثال الحسن اذ يعلم سر نجاح بعض الدول وانقراض او تأخر غيرها فتتضح لديه اذ ذاك جلياً فضائل الأمم العظيمة الراقية التي فازت على أقرانها في مضمار المدنية، ورذائل الأمم السافلة التي داهمها الانقراض بسبب فساد أخلاق ابنائها وانغماسهم في الشهوات والرذائل فينظر الى أحوالهم بعين التبصر والانتقاد ويستخرج من ذلك عبراً لنفسه وللملة التي ينتسب اليها.

مصادر التاريخ

قد يسأل القارئ عن كيفية وصول أخبار الأقدمين الينا وعن المصادر التي أعتمد عليها المؤرخون في تسطير الحوادث وتدوين الأخبار فنقول أن مآخذ التاريخ التي تكون المرجع في تسطيره هي كل أنواع الآثار وهذه الآثار على ثلاثة انواع وبها وصلت الينا أخبار الأقدمين وهي:

الآثار المضبوطة، والآثار المنقولة والآثار القديمة.

الآثار المضبوطة: هي تصانيف المصنفين الذين عاشوا في وقت وقوع الحوادث التي دونوها كتاريخ صلاح الدين لابن شداد. والفتح القدسي للعماد الكاتب. وتاريخ الصليبيين للبطريرك ميخائيل الملقب بالكبير. وهذه اصح التواريخ كلها ومثلها المحررات الرسمية والمعاهدات الدولية والشروط الاتفاقية المقامة بين شعوب مختلفة وكذلك المجلات والجرائد. ومنها الأشعار التاريخية عند أكثر الشعوب كأشعار هوميروس القصصية التي ضمنها تاريخ اليونان القديم وانتصارهم على أم⟨؟⟩ الأرض المعروفة في ذلك الزمان.

الآثار المنقولة: هي الأحاديث المنقولة أي الأخبار غير المكتوبة والمنقولة من شخص الى آخر في أزمنة متتابعة. فقد كان الانسان في أول عهده يقص ما جرى له من الحوادث والوقائع على أولاده واحفاده وهؤلاء بدورهم كانوا ينقلونها لأبنائهم وأحفادهم جيلاً بعد جيل ويلبسونها من الزخرف والغرابة ثوباً يجعل جلها مستحيلاً. وبقي الحال على هذا المنوال حتى ابتداع الكتابة فسارع إذ ذاك الناس الى تدوين أعمالهم ونقشها على صفائح المعدن أو الآجر. وهذه الآثار قلما يوثق بها أو يعتمد عليها لأنه بإنتقالها من شخص الى آخر يشوبها التغيير ويعتريها زيادة أو نقصان والتقليل⟨؟⟩ النادر منها تظل سالمة صادقة.

الآثار القديمة: هي الأبنية والتماثيل والعواميد والأسلحة والتوابيت والنقود الباقية من الأمم السالفة أعني ما ترك القدماء من الأطلال كخرابات مصر وبعلبك وتدمر وبقايا مصنوعاتهم كالمنقوشات والأواني الخزفية والحجرية. وعلى كثير من تلك الآثار كتابات بخطوط غريبة استخرج منها أخبار كثيرة مهمة حتى أن بعض الممالك كمصر وبابلونيا وآشور لم يعرف لها تاريخ الا بواسطة النقوش والكتابات التي اكتشفت على آثارها. وهذه الكتابات والنقوش بقيت مجهولة عهداً طويلاً حتى توفق علماء الآثار الى حلها وقراءتها بعد مقاساة الأتعاب الشديدة وأهم تلك الكتابات والخطوط الخط الهيروغليفي المنقوش على الآثار المصرية الذي حله العالم الفرنساوي شمبليون سنة 1822 والخط المسماري المنقوش على العاديات المكتشفة في وادي الدجلة والفرات وقد أهتدى الى حل رموزه هنري رولنصن سنة 1837. فكل هذه الآثار تشهد لحقيقة التاريخ شهادة تنطق بلسان حالها عن صحة مضمونها.

أزمنة التاريخ

يقسم مؤرخوا أوربا أزمنة التاريخ الى قسمين:

الأول، الأزمنة المجهولة وتعرف بأزمنة ما قبل التاريخ وهي المدة التي مضت قبل ابتداع الكتابة. والثاني، الأزمنة التاريخية وهي المدة التي تلت ابتداع الكتابة.

أزمنة ما قبل التاريخ: هي الأدوار التي مرّت على الانسان منذ الخليقة الى عهد اختراع الكتابة. ولم يرد شيء من أخبار الامم التي عاشت في تلك العصور سوى ما روته الكتب المقدسة وهو مجمل لا يشفي الغليل انما أستدل العلماء على بعض أحوالهم وعاداتهم من الآثار التي خلفوها فعثر عليها المنقبون مدفونة في بطون الأرض على بعد سحيق بين ركام من حصى ورمل وتراب تجمعت تدريجياً فأحاطتها وحافظتها من فعل الهواء وحرارة الشمس. وقد تفرغ جماعة من الباحثين لدرس هذه الآثار وفحصها فادى تنقيبهم الى الوقوف على حقائق كثيرة بحالة الانسان الذي عاش في تلك الأزمنة وأفضى بهم الى وضع قواعد علم جديد هو "الاركيولوجيا" اي علم العاديات وهو من العلوم الحديثة التي لا يزيد عمرها عن مائة عام يبحث عما يكتشف من آثار الانسان.

وقد قسموا هذه الأزمنة الى أربعة أعصر كبرى ودعي كل منها باسم المادة التي صنع منها الانسان أدواته وأسلحته في ذلك الدور وهي:

العصر الحجري، والعصر الحجري الحديث، والعصر البرونزي والعصر الحديدي.

العصر الحجري القديم: هو الدور الذي أتخذ فيه الانسان أسلحته وأدواته من الشظايا الصوانية دون أن ينحتها أو يهذبها وكانت عيشته في هذا الدور ساذجة فطرية.

العصر الحجري الحديث: أخذ الانسان في هذا الدور يستخدم الأدوات والأسلحة من الحجارة المنحوتة والمصقولة صقلاً محكماً.

العصر البرونزي: في هذا الدور أهتدى الانسان الى البرونز وشرع في إذابته واستخدامه في لوازم معيشته.

العصر الحديدي: هو آخر أدوار أزمنة ما قبل التاريخ وفيه خطى الانسان خطوة مهمة في طرق الحضارة باكتشافه معدن الحديد. ويعد هذا الدور بمثابة جسر موصل بين الأزمنة التاريخية والأزمنة السابقة للتاريخ.

الأزمنة التاريخية وأقسامها

الأزمنة التاريخية هي الأعصر التي مرّت على الانسان منذ اختراع الكتابة الى يومنا هذا ويقسمها المؤرخون عادة الى أربعة أدوار كبرى وهي:

(١) القرون الأولى (٢) القرون الوسطى (٣) القرون الأخيرة (٤) القرون الحديثة.

القرون الأولى: هي المدة التي مضت منذ فجر التاريخ الى إنقراض الامبراطورية الرومانية الغربية سنة 476 م. ففي تلك السنة التهت⟨؟⟩ غزوات البرابرة للسلطنة المذكورة فزالت وأنقرضت ودخلت اوربا في طور جديد وصارت تدار الأمور على نظام حديث نشأت منه مالكها⟨؟⟩ المعروفة في يومنا الحاضر.

القرون الوسطى: تبتدئ هذه القرون من إنقراض السلطنة الرومانية الغربية سنة 476 م وتنتهي بإنقراض السلطنة الرومانية الشرقية وفتح القسطنطينية بيد العثمانيين سنة 1453. ومدة هذا الدور هي 977 سنة وقد دعيت القرون الوسطى بالقرون المظلمة لتوغل اوربا يومئذ في الظلمة والجهالة.

القرون الأخيرة: تبتدئ من إنقراض السلطنة الرومانية الشرقية سنة 1453 وتنتهي بالثورة الفرنساوية سنة 1789. تلك الثورة التي نشرت لواء العدالة والحرية وسببت انقلاباً عظيماً في أحوال العالم. ومدة هذا الدور 336 سنة وفيه خطت الأمم نحو المدنية خطوات واسعة وبزغت أنوار الحضارة في أفق اوربا.

القرون الحديثة: تتضمن الحوادث والوقائع التي جرت منذ الثورة الفرنساوية 1789 الى وقتنا الحاضر.

اقسام التاريخ

يقسم التاريخ الى: مدني وقد تقدم ذكره، وديني وطبيعي.

فالتاريخ الديني يبحث عن أمور الدين منذ الوحي به الى أيامنا وفروعه ثلاثة:

الاول، ما سطر الاخبار الدينية السابقة زمان المسيح وذلك هو تاريخ العهد القديم وركنه الأسفار الالهية القديمة.

والثاني، ما دوّن أخبار المسيح وسيرة المخلص وهو تاريخ العهد الجديد ويؤخذ من أخبار العهد الجديد.

والثالث، ما ذكر الاحوال الدينية بعد المسيح وهو تاريخ الكنيسة ونشأتها ونموها وانتصارها على أهل البدع مع ذكر مجامعها وسير أحبارها.

أما التاريخ الطبيعي فيبحث عن الموجودات العضوية وغير العضوية المؤلفة منها الكرة الأرضية ويعرف بعلم المواليد الثلاثة وهو يقسم الى ثلاثة اقسام كبرى وهي:

(١) علم الحيوان (٢) علم النبات (٣) علم المعادن.

أقسام التاريخ المدني: يقسم التاريخ المدني الى عام وخاص. فالتاريخ العام يبحث عن حوادث ووقائع العالم أجمع. والتاريخ الخاص يبحث عن حوادث قوم أو دولة ما فقط دون أن يبحث عن الأمم الأخرى ما لم يكن لها علاقة مع ذلك القوم. واذا اقتصر التاريخ الخاص على ذكر شخص يسمى ترجمة أو سيرة.

ويقسم التاريخ بإعتبار موضوعه الى عدة أقسام منها: تاريخ السياسة، وتاريخ القضاء، وتاريخ التجارة، وتاريخ الادب، وتاريخ الاجتماع، وتاريخ الاقتصاد.

صورة الصفحة — التاريخ

اضغط على الصورة لفتحها بالحجم الكامل

→ العدد 612: من هم سكان فلسطين؟
العدد 614: التاريخ ٢ ←