فهرس مقالات صوت العرب — Arab Voice Index
العدد 611 — ١١ تشرين الأول ٢٠٠٨

الآراميون الشعب السامي الثالث الرئيسي (تتمة)

The Arameans: The Third Major Semitic People (Conclusion)
Arab Voice * Oct. . 11th 2008 * Vol.(15) * Issue# 611 — صفحة 29
إعداد وتقديم / حنا عيسى توما / المؤسسة الأمريكية للدراسات السريانية — www.syriacstudies.com ** e-mail : hannaissa@gmail.com
Concluding the excerpt from Philip Hitti's History of Syria, Lebanon and Palestine, this installment turns from politics to civilization: Aramean caravan trade, the extraordinary spread of the Aramaic language, the tongue of Jesus, and its alphabet across Asia, the oldest Aramaic inscriptions, and Aramean religion centered on the storm god Hadad and the goddess Atargatis.
نصّ منسوخ حرفياً عن صورة الجريدة كما طُبع. الكلمات المعلَّمة بـ ⟨؟⟩ غير واضحة في الأصل المطبوع.Transcribed verbatim from the newspaper scan. Words marked ⟨؟⟩ are unclear in the original print.

التجار الآراميون

فاق توسع التجارة والحضارة الآرامية توسع الآراميين السياسي والعسكري ودام إلى ما بعد إنتهاء هذا الاخير . هذه الحضارة التي بلغت ذروتها في القرنين التاسع والثامن قبل الميلاد لا تقدر اليوم حق قدرها حتى في الأوساط المتعلمة والسوريون الحديثون لا يشعرون باصلهم وتراثهم الآراميين بالرغم من أن كثيرين من اللبنانيين يصرون على أصلهم الفينيقي وكان التجار الآراميون يبعثون قوافلهم إلى جميع مناطق الهلال الخصيب وحتى منابع الدجلة في الشمال واكتشفت في خرائب نينوي بعض الموازين البرونزية التي تركوها وكانوا يحتكرون تجارة سورية الداخلية كما كان يحتكر ابناء عمهم ومنافسوهم الكنعانيون التجارة البحرية وكانت عاصمتهم دمشق ميناء البادية كما كانت جبيل ثم صور من موانىء البحر وقد تاجر الآراميون بالارجوان من فينيقية وبالمطرزات والكتان والبشب والنحاس والابنوس والعاج من افريقيا " وبمحصول البحار " الذي رما كان اللؤلؤ الذي اشتهر به الخليج الفارسي خلال العصور .

اللغة الآرامية

كان التجار الآراميون هم الذين نشروا لغتهم منذ اول عهدهم في مختلف البلدان وهي فرع من مجموعة اللغات السامية الشمالية الغربية وقد وصلنا من عام 731 ق .م في عهد تغلات فلاسر الثالث اول رسم يمثل كاتباً يدون بالآرامية الغنائم المأخوذة من احدى المدن المفتوحة وهو يمسك بيده ليس قلماً ولوحا من طين لأجل الكتابة المسمارية وانما ملف بردي وريشة ويبدو انه كان يكتب بكتابة ابجدية وفي نحو عام 500 ق .م اصبحت الآرامية التي كانت اللغة التجارية لاحدى الجماعات السورية ليس فقط اللغة العامة للتجارة والحضارة والحكومة في بلاد الهلال الخصيب كلها بل اللغة التي يستعملها سكان تلك البلاد في كلامهم وكان فوزها على شقيقاتها اللغات السامية الاخرى بما فيها العبرية تاما . واصبحت لغة المسيح وشعبه والاشارة الثانية إن لم تكن الأولى للمسيحيين وجدت مكتوبة بالآرامية بحروف لاتينية مشوهة على جدار مسكن رما كان كنيسة في بومبي ما يجعل تاريخها قبل عام 379 م . وهنالك صلاة آرامية تسمى " قديش " ( المقدس ) تشبه الصلاة المسيحية المعروفة بالصلاة الربانية في بعض عباراتها وهي أقدم منها وتبدأ بعبارة " ليتمجد ويتقدس اسمه العظيم " . واسطورة احيقار الواسعة الانتشار تحوي بعض حكم آشورية او بابلية ولكنها بالآرامية وقد كتبت في القرن السابع او ما بعده . ولم يقتصر انتشار الآرامية على المناطق السامية ففي عهد داريوس الكبير ( 521 – 486 ق.م. ) جعلت الآرامية اللغة الرسمية بين مقاطعات الامبراطورية الفارسية وهكذا اصبحت حتى فتوحات الاسكندر اللغة المتداولة في امبراطورية تمتد " من الهند حتى الحبشة " . إن مثل هذا الفوز الذي حققته لغة لا تدعمها سلطة امبراطورية من أهلها ليس له مثيل في التاريخ . ومع انتشار اللغة الآرامية انتشرت الأبجدية الفينيقية التي كان الآراميون اول من اقتبسها واستعملت في لغات اخرى في القارة الاسيوية وحصل العبرانيون على ابجديتهم من الآراميين بين القرنين السادس والرابع وكانوا قبلاً يستعملون الأبجدية الفينيقية القديمة مدة من الزمن ، والحروف المربعة التي تطبع بها اليوم كتب التوراة العبرانية نشأت من الكتابة الآرامية ، واخذ عرب الشمال ابجديتهم التي كتب بها القرآن من الآرامية التي استعملها الانباط ، كذلك حصل الأرمن والفرس والهنود على ابجدياتهم من مصادر آرامية . وحروف البهلوية والسنسكريتية هي من اصل آرامي ، وحمل الكهنة البوذيون من الهند الأبجدية السنسكريتية إلى قلب الصين وكوريا . وهكذا وصلت الحروف الفينيقية شرقاً بطريق الآرامية إلى الشرق الاقصى وغرباً بطريق اليونانية إلى الاميركتين مطوقة العالم كله .

الكتابات الاثرية

وجدت اقدم الكتابات الاثرية الآرامية المعروفة اليوم في شمالي سورية وتعود إلى بدء القرن التاسع . وتوجد بينها كتابة قصيرة من تل حلف ( غوزانه ) ثم تأتي كتابة اكتشفت حديثاً على نصب نذري على بعد أربعة أميال ونصف شمالي حلب التي كانت تحت حكم دمشق وترجع إلى نحو عام 850 ق .م وقد كتب عليها اسم بنحدد الاول والكتابة التالية " : النصب الذي اقامه بار حدد ابن طاب رمان ابن حاديان⟨؟⟩ ملك آرام لسيده ملقارت وقد نذره له لأنه أصغى الى صوته " . وعلى ذلك فإن كتابة زاكر ملك حماة ولعش المشهورة ( نحو 775 ق.م. ) التي كانت تعتبر اقدم كتابة آرامية اصبحت في الدرجة الثالثة في قدمها . وقد اقيم نصيب زاكر من قبل هذا الملك الآرامي لتخليد ذكرى انقاذه من هجوم شنه عليه سبعة عشر ملكاً بينهم ملوك دمشق وشمأل وعدد من المدن الفينيقية . واتت كتابات اثرية اخرى تركها الآراميون من زنجرلي ( شمأل ) وهي مدينتهم الرئيسية في الشمال وفيما سوى هذه الكتابات على النصب والمباني فان هنالك اوزاناً ومستندات كثيرة عليها كتابات آرامية تترواح بين القرن الثامن والقرن الخامس ق .م واوراق البردي الآرامية التي كتبتها جالية يهودية في مصر العليا واكتشفت في الالفنتين ( جزيرة اسوان الحديثة ) ترجع الى ما بين 500 و 400 ق .م . وقد تفرعت اللغة الآرامية مع الزمن الى مجموعتين هما المجموعة الشرقية في وادي الفرات ويمثلها المندعية والسريانية والمجموعة الغربية ويمثلها الآرامية التوراتية والترجوم ولهجات شمأل وحماة والتدمرية والنبطية . وكانت تتكلم المندعية طائفة غنوسطية تسكن قرب الفرات بين القرنين السابع والتاسع م . واصبحت السريانية وهي لغة اديسا ( الرها ) لغة الكنائس في سورية ولبنان وبلاد الرافدين مع بعض الاختلافات المحلية . واستعملت بين القرنين الثالث عشر للميلاد ثم حلت العربية محلها . وعندما اتخذ المسيحيون الآراميون لهجة اديسا وجعلوها لغة الكنيسة والادب والتعامل الثقافي صاروا يعرفون باسم سوريين واصبح لاسمهم القديم أي الآراميين مدلول وثني غير مستحب في عقولهم ولذلك تجنبوه بوجه العموم وحلت محله التعابير اليونانية وهي سوري بالنسبة للشعب وسرياني بالنسبة للغة . ولنذكر أن اليونان كانوا يسمون بلاد آرام " سورية . " وكثيرا ما يسمى سكان البلاد سوريين ولغتهم سورية في الترجمة السبعينية للتوراة وكذلك في الترجمة اللاتينية الشائعة وفي التعبير الحديث تقتصر كلمة " سريانية " على لهجات اديسا والمناطق المجاورة .

الحضارة المادية

اقتبس الآراميون الحضارة المادية للشعب الذي سكنوا بين ظهرانيه . ففي شمالي سورية اصبحوا ورثاء ومتابعين لعمل الحضارة الحثية الآشورية وفي سورية الوسطى ورثوا الحضارة الكنعانية وتابعوها . واتخذت عاصمتهم شمأل في الشمال الغربي مظهر مدينة حثية ولكن ملوكها كانوا يتسمون باسماء آرامية على الغالب وتركوا كتابات اثرية بحروف فينيقية وكانت هذه المدينة من المدن الآرامية النادرة التي جرت فيها حفريات اثرية . وقد قام احد ملوك شمأل واسمه بنامو الاول الذي عاش في النصف الاول القرن الثامن تمثالا ضخما للإله حدد ارتفاعه تسعة أقدام ونصف ظهر فيه الإله بقبعة ذات قرنين ولحية مستديرة مجعدة وعينين منزلتين بالحجارة الكريمة وذراعين ممتدتين لاعطاء البركة وتقول الكتابة التي تحت زنار التمثال أن هم الملك الاكبر كان سعادة شعبه . ويذكر أن الارض التي منحته اياها الآلهة المحسنة كانت ارض شعير وقمح وثوم ويعمل الرجال في حرث تربتها وزرع كرومها.

ويظهر شكل ابن بنامو الثاني واسمه بار ركاب منحوتا بشكل بارز على عرش محفور حفرا فخما في الابنوس والعاج والذهب ولا يقل ابهة عن عرش سيده ملك اشور . ويرتكز العرش على مخروطيات الأرز وفي زوايا المقعد الأربعة رؤوس ثيران وتحت قدميه يوجد كرسي بمثل هذه الزخارف الفنية . وثوبه الطويل ذو الحواشي وقبعته المروسة من النوع الحثي ، أما لحيته وتجاعيد شعره فانها تتبع الاسلوب الآشوري .

حدد الراعد

والإله الذي كان يوجه الآراميون اعظم اهتمام لعبادته كان حدد إله الزوابع والرعد ويسمى ايضاً أدد أو أدو . وكإله للبرق والرعد كان حدد مفيداً حين يرسل المطر الذي يخصب الارض وكان مضراً حين يرسل السيول ومن القابه رمون ( الراعد ) وكان نعمان السوري يسمى اله سيده ملك دمشق بهذا اللقب . وكان الإسمان يستعملان معا احياناً فيقال حدد رمون ويظهر في نحت بارز من زنجرلي حاملا الشوكة ذات القضبان الثلاثة والمطرقة رمز البرق والرعد . وفي ملاطية يبدو في شكل منحوت واقفاً على ظهر ثور وهذا رمز القوى المولدة وكان أهم معبد للإله حدد في هيرابولس ( منبج ) ولكن له معابد في مدن سورية اخرى كثيرة وفي لبنان وكان محبوباً بصورة خاصة بين المزارعين في سورية وامتزجت عبادته فيما بعد بعبادة الشمس وزخرف رأسه عند ذلك بالاشعة كما في بعلبك وفي الغالب يجب اعتبار جوبيتر هليوبوليتانس الذي عبد في بعلبك معادلاً للإله حدد وفي العصر الروماني تبدل اسمه فاصبح جوبيتر الدمشقي . وقد أمر بنامو الأول ابنه في الكتابة التي تركها على تمثال حدد أن يتلو العبارة الآتية عندما يقدم الذبائح : " لتأكل روح بنامو مع حدد ولتشرب روحه مع حدد ولتفرح بالتقدمة لحدد " ويعطينا ذلك فكرة طريفة عن فكرة الآراميين القدماء في الحياة الآخرة . وعرف الآراميون بعادة تسمية ابنائهم " بار حدد " أي ابن حدد او ابن آلهة اخرى محببة لديهم . وبقيت هذه العادة شائعة في سورية حتى العصر المسيحي وتلقي ضوءاً مفيداً على العلاقة المفترضة بين الإله والذي يعبده .

اتارغاتس

وعبدت رفيقة حدد او زوجته وهي الاهة توالد في هيرابولس وفي مراكز سامية اخرى باسم اتارغاتس وكان اليونان والرومان يبسطون الامر فيسمونها " الالهة السورية " . وقد اتانا وصف لعبادتها من العصر الكلاسيكي كتبه لوكيانس وهو سوري من سمياط⟨؟⟩ ولد حوالي 125م . وكان يكتب باليونانية وصفات عبادتها كما كتب عنها لوكيانس هي صفات الالهة الأم السامية وفي النقود التي اتت من هيرابولس نراها تلبس تاجاً ويصحبها أسد احياناً . ويتألف رمزها من الهلال مع قرص الشمس . وكان لها معبد في كرنيون في جلعاد . وكانت عسقلان في فلسطين مركزا لعبادتها حيث اعتبرت غالباً معادلة لافروديت . وانتشرت عبادة اتارغاتس بين اليونان في العصر السلوقي وبواسطتهم وصلت إلى روما حيث اقيم معبد باسمها . وتشاهد في الآثار الرومانية جالسة على عرش بين اسدين . وكان كهنتها عموما من الخصيان الذين اعتادوا القيام برحلات إلى اليونان وايطاليا لنشر عبادتها بواسطة التنبؤات والرقص الروحاني ولجمع تبرعات الاتقياء لأجل معبدها في هيرابولس . وهنالك نموذج غريب لاتارغاتس على النقود من هيرابولس تظهر محجبة . ووجدت صور اخرى كثيرة لاتارغاتس المحجبة . وتظهر رسوم نساء محجبات بحجاب ثقيل يشبه حجاب أي مسلمة محافظة اليوم على نقش من معبد بعل في تدمر وفي لوح منحوت من دورا اوريس⟨؟⟩ وترينا بعض الآثار الاخرى الرأس محجبا . ويبدو ان الحجاب كان في الشرق القديم رمز المتزوجة ولباسها المفروض . وكان التشريع الآشوري من منتصف الالف الثاني ق .م يتطلب من نساء الرجال الأحرار وبناتهم أن يغطين رؤوسهن حين يخرجن إلى الشارع . وكانت مجموعة الآلهة الآرامية تضم فيما سوى الزوج الالهي حدد واتارغاتس عددا من الآلهة الاخرى ذات المكانة الثانوية بعضها محلي والبعض الآخر مستعار من الامم المجاورة وكانت الآلهة حدد وايل وركاب ايل وشمش ورشوف هي التي أعطت الملك بنامو الاول الصولجان في الكتابة الاثرية التي تركها ومنحته الاشياء التي صلى لاجلها وركاب او سائق المركبات هو إله مستورد إلى سورية مع إله الشمس الآشوري وشمش الآشوري هو اسم إله الشمس الذي يعبد في العالم السامي كله . ورشوف هو الإله الفينيقي رشف الذي كان كثيراً ما يمثل بشكل جندي مسلح وفي كتابة زاكر ملك حماة يرفع هذا الملك يديه لبعل شمين ( سيد السموات ) ويقول : " كل من يمحوا اسم زاكر ملك حماة ولعش من هذا النصب أو يخربه من امام ايل وير El Wer أو يزيله من مكانه أو يمد يده ضده . . . فان بعل شمين وايل وير وشمش وسهر وآلهة السماء وآلهة الارض . . . ستهلكه " . ويتضح أن بعل شمين هو حدد ولكن هوية ايل وير لم تعرف بعد . وسهر هو الاله القمر . وكانت حران مركز الاله القمر الذي يسمى سين عند الاشوريين . ويرد ذكر هذا الإله على حجر تيماء التي ترجع كتابتها الى القرن الخامس ق .م باسم شنغالا وهو اسم آشوري مستورد معناه سين العظيم والإلهان الآخران المذكوران على هذا الحجر هما سلم ( بمعنى صورة او تمثال ) ويشير غالباً إلى بعل المحلي، وعاشرة⟨؟⟩ .

من كتاب " تاريخ سورية ولبنان وفلسطين " – الدكتور فيليب حتي

صورة الصفحة — الآراميون الشعب السامي الثالث الرئيسي (تتمة)

اضغط على الصورة لفتحها بالحجم الكامل

→ العدد 610: الآراميون الشعب السامي الثالث الرئيسي
العدد 612: من هم سكان فلسطين؟ ←