فهرس مقالات صوت العرب — Arab Voice Index
العدد 600 — ٢٦ تموز ٢٠٠٨

السريان في طور عابدين ( تركيا ) ٢

The Syriacs of Tur Abdin (Turkey), Part 2
الدكتور جان جوزيف
Arab Voice * July 26th 2008 * Vol.(15) * Issue# 600 — صفحة 29
ترجمة / حنا عيسى توما / المؤسسة الأمريكية للدراسات السريانية — www.syriacstudies.com ** e-mail : hannaissa@gmail.com
Continuing Dr. John Joseph's study in Hanna Issa Touma's translation, this part covers the 1925 Kurdish revolt and the deportations and violence that struck Syriac Orthodox villagers, including the expulsion of the patriarch from Deyrulzafaran monastery. It then surveys the community's surviving strongholds, the monasteries of Deyrulzafaran and Mor Gabriel, Midyat, and Mardin, and the emigration clouding Tur Abdin's future.
نصّ منسوخ حرفياً عن صورة الجريدة كما طُبع. الكلمات المعلَّمة بـ ⟨؟⟩ غير واضحة في الأصل المطبوع.Transcribed verbatim from the newspaper scan. Words marked ⟨؟⟩ are unclear in the original print.

طور عبدين ، منطقة ( جبلية ) تقع في ما بين النهرين في الشمال الشرقي لمدينة ماردين ، متوسط الارتفاع ، كثير القرى والدساكر ، ويعرف الجانب المطل على المنطقة المعروفة قديما بـ " باعربايا " أو المنطقة العربية باسم " جبل ازلا " وقد سماه اليونان باسم " ماسيوس " . ويتوسط جبل طور عبدين مدن ، جزيرة ابن عمر ، وماردين ونصيبين ، وآمد ( دياربكر ) وسعرت . ان سكان هذا الجبل الأصليين هم من الآراميين ، الذين كانوا يسكنون جميع جبل " ماسيوس " المعروف اليوم بجبل " قره جه طاغ " وقد حاربهم شلمناصر الأول ملك اثور ( بين 1276-1256 ق.م ) واحتل مدنهم وهدم حصونهم وكانوا حينئذ قبائل وافخاذا كثيرة ضاربة بين أنهار دجلة والبليخ والفرات . ويذكر في أخبار الملوك الأشوريين الواردة في الكتابات المسمارية المكتشفة في أنقاض مدنهم ، ان ملك اشور المدعو هود ناواري ( نيراري ) الثاني . والذي ملك سنة 911 ومات سنة 889 ق.م ابن الملك اشوردان ( 922- 910 ق.م حارب آراميي طور عبدين مرات كثيرة . ان هذه المنطقة جميلة جدا . وهواؤها نقي صحي . الا ان ماءها قليل ما خلا القسم القريب من نهر دجلة والذي بنيت فيه مدينة دارا وقرية كفرجوسى . أما الباقي فانه يعتمد على مياه الأمطار التي يحفظها السكان في جبوب ضيقة . اما كيفية تسميته بطور عبدين . فقد ورد في قصة الكفاني⟨؟⟩ ما يأتي " : عندما جاء الفرس ، وطردوا اليونانيين من دارا ونصيبين وأطرافهما ، واستولوا على شرقي الفرات ، تبدد المسيحيون الساكنون في منطقة طور عبدين ( طور ابدين ) والتحفوا بالرومان الذين اسكنوهم في ناحية تعرف باسم ( دار الروم ) ، وبعدها هبط ملوك اليونان هذه المنطقة لينتقموا من الفرس وآثور ونينوى وبانوهدرا ( منطقة زاخو ) وباجرمي ( منطقة اربيل ) وبيت سلوخ ( منطقة كركوك ) وغيرها ، وسبوا خلقا كثيرا من المجوس والوثنيين وأسكنوهم في هذه المنطقة اعتبارا من جبل ازلا الى ارزون . ومن قرية فنك الى حصن الصور وماردين ، وسمي هذا الجبل بجبل العبيد ، لانهم جيء بهم للعبودية والرق ، فاتخذ الجبل اسمه من أيام الملك يوسطنيان من اسم ( العبودية ) وسمي بـ ( جبل ابدين ) او ( جبل عبدين ) ( طور عبدين " . )

كان الدافع للإنتفاضة الكردية ، كما لاحظ كاتب كردي ، هو السعي إلى إيجاد دولة كردية مستقلة وضمان الحقوق الوطنية للشعب الكردي . كان شعار الثورة الرئيسي " تحقيق استقلال كردستان تحت الوصاية التركية وإعادة السلطنة ثانية " . ولكن الوطنيون الأتراك صمموا على سحق الإنتفاضة فإن " لم يتلقن الأكراد درسا " في فترة مبكرة جدا فسوف تكون الولايات الشرقية دائما مصدر خطر كبير مما سيرغم الجمهورية الفتية على إبقاء جيوشها هناك وتحمل تكاليفه . ولقد اقتنع الجمهوريون الأتراك بأن الأكراد تلقوا دعما من الحكومة الإنكليزية في العراق حيث كانت الإدارة البريطانية المنتدبة تميل إلى جانبهم والأكثر من هذا لقد وجدت حكومة أنقرة في الأكراد عدو أيديولوجي إذ يمثلون ثورة مضادة أي تركيا القديمة تقاتل تركيا الجديدة . وعندما احتل الأكراد ، لفترة قصيرة ، ديار بكر وخربوط نصبوا محمد سليم الابن الأكبر للسلطان عبدالحميد الثاني " ملكا على كردستان " وطالب المتمردون بإعادة القوانين الدينية والمؤسسات التي كانت حكومة أنقرة " الملحدة " قد ألغتها كما دعوا الأتراك المسلمين لينضموا إليهم في حربهم المقدسة ( الجهاد ) ضد الجمهورية الجديدة .

ولم تمض فترة طويلة حتى انهالت قبضة حكومة أنقرة الثقيلة على الانتفاضة الكردية وقوضتها وألقت القبض على قادتها . وفي نيسان 1925 سيق الثوار إلى الجبال وعندها قال عصمت باشا أمام الهيئة الوطنية العليا " بأن الجبال ستصبح مقبرتهم " . وحكمت المحكمة العسكرية التركية التي انعقدت في ديار بكر بالموت ضد الشيخ سعيد و 47 من القادة الأكراد ونفذت الحكم في آب من عام 1925 . لقد كتب غاسيملو يقول " دمرت 206 قرى ، واحترق 7588 بيتا وقتل 20.015 شخص " . ونقلت تقريبا ألف عائلة كردية من وجهاء الأكراد إلى الأقسام الغربية من الأناضول . أما السريان الأرثوذكس الذين استثنوا خلال الأعمال الوحشية التي تعرض لها الأرمن فقد أصبحوا ضحايا البربرية والوحشية خلال سحق التمرد الكردي وتعاون بعض المسيحيين السوريين مع الأكراد وأعطاهم البعض الحماية إما عن خوف أو عن قناعة ، لذلك طوقت الحكومة عددا من السريان الارثودكس والكلدان ونفتهم من القسم التركي ، الذي ادعت الحكومة الإنكليزية انه للعراق . إلى شمال " خط برسل " ونسب بعض الناس الذين قاموا بالتحقيقات الفورية عملية الأبعاد هذه إلى رغبة الحكومة العسكرية التركية في مصادرة المواشي والقمح من القرى المسيحية لتطعم قواتها الجائعة والغاضبة . ومن الناحية السياسية كانت السلطات التركية تخشى أن يكون ولاء المسيحيين للسلطات البريطانية والعراقية عبر الحدود . فلقد صرح الجنرال لادونر ، المسؤول من قبل عصبة الأمم ليتحرى عملية الأبعاد . " انه اقتنع وبدون شك " أن الضباط الأتراك قادوا أولا عملية الاحتلال ثم فتشوا القرى بحثا عن السلاح وبعد فترة قصيرة سلبوا أهاليها ونهبوا بيوتهم وعرضوهم إلى أشنع أنواع التعذيب والقتل . كان الترحيل بالجملة . لقد طردوا بطريرك السريان الأرثوذكس مار اغناطيوس الياس الثالث من دير الزعفران وحولوا الدير إلى ثكنة تركية .

لم يغادر كل السكان المسيحيين بيوتهم في الأناضول خلال وبعد الحرب العالمية الأولى فلقد رجع بعض الذين كانوا قد عبروا الحدود إلى سوريا أو العراق إلى قراهم وخلال النزاع احتفظ سكان طور عابدين بمعاقلهم الجبلية وكما في الماضي لجأوا إلى كنائسهم وأديرتهم . وكانت قرى مثل قلث ، مدو ، باسبرين ، آزخ ، وحاح من بين ما يقارب 60 قرية لازال معظم سكانها من المسيحيين حتى منتصف سنة 1970 . ويرجع تاريخ إحدى الكنائس في حاح " كنيسة العذراء " ، إلى أيام الرسل وما زالت الفسيفساء البيزنطية الرائعة فيها لم تمس وتعتبر هذه الكنيسة أقدم كنيسة في العالم ما زالت قيد الاستعمال وجاء في وصف جيرترد بيل للزخرفة الدقيقة لزينة هذه الكنيسة بأنها جوهرة طور عابدين .

كتب طالب أميركي ينتمي إلى إحدى الكنائس المسيحية الشرق أوسطية والذي زار طور عابدين سنة 1974 يقول : أن ما يميز كنائس وأديرة المنطقة عن غيرها من الآثار الباقية للمسيحيين القدامى في آسيا الصغرى هو عبارة " ما زالت قيد الاستعمال " . وخلال زيارته شاهد الطالب المؤمنين يجتمعون في مختلف الكنائس لصلاة المساء . وفي قرية قلث شاهد هناك كنيسة سريانية بروتستانتية عدد أعضاؤها 20 عائلة من بقايا نشاط البعثة البروتستانتية التي كانت مزدهرة فيما مضى .

أما الموقع الرئيسي في منطقة طور عابدين فهو دير الزعفران وكاتدرائيته أي كنيسة الأربعين شهيد . كان هذا الدير ولأجيال عديدة المقر الصيفي لبطاركة السريان الارثودكس قرب ماردين ، ومنزل ما يقارب الـ 60 راهبا . كما كان هناك 10 رهبان آخرون يخدمون في أديرة أخرى - كدير مار كبرئيل ودير مار يعقوب - يصرفون معظم وقتهم في صيانتها ويتعهدوا بعناية الحدائق وأشجار البساتين بالإضافة إلى التأمل والتعليم واستضافة الضيوف والزوار والفلاحين الذين قطعوا رحلة طويلة لحضور قداس الأحد . وقد تم ترميم دير مار كبرئيل في قرية قرطمين وهي على مسافة 20 ميلا شرق مديات كما أضيف إلى البناء القديم بعض الأبنية الجديدة في السنوات القليلة الماضية . وكان يسمى احيانا " دير العمر " وهو الأكثر شهرة والأغنى بين جميع أديرة السريان الارثودكس وتقول التقاليد أن مطران الدير ، مار كبرئيل ، حصل من الخليفة عمر بن الخطاب على حق الوصاية على كل المسيحيين في طور عابدين حين طردت قوات الخليفة البيزنطيين من تلك المنطقة .

لقد تمت صيانة وتوسيع هذه الأبنية الموقرة بواسطة تبرعات سخية من السريان الارثودكس في كل مكان وخصوصا من الذين هاجروا إلى أميركا . بالنسبة للسريان الأرثوذكس تعتبر مناطق طور عابدين ومعالمها ، وهي أكثر من 70 مركز رهبنانية . " مقدسبة⟨؟⟩ عبر العصور بدماء الشهداء والوساطة العجائبية للروح القدس " . وتعمل في الوقت الحاضر إثنان من هذه الأديرة كمعاهد لاهوتية ففي سنة 1974 كان في دير الزعفران ودير مار كبرئيل 50 طالبا يهيأ بعضهم للدخول في سلك الكهنوت . ولعل أعظم خريجي دير الزعفران كان البطريرك مار اغناطيوس افرام الأول برصوم سلف المطران الأخير الذي كان خريج دير مارمتى في شمال العراق .

ما زالت مدينة مديات هي عاصمة طور عابدين الوسطى ومركزا لمعظم مطارنة السريان الأرثوذكس في تركيا . ولمديات أبرشية يقارب عددها الـ 20 الف مواطن يعيشون فيها وفي القرى المجاورة لها ويقوم بالخدمة فيها 40 قسا . وفي المدينة خمسة كنائس لكل واحدة منها قسها وتنقسم المدينة إلى منطقتين تبعد الواحدة عن الأخرى قرابة 2 كم . واحدة غالبيتها من المسلمين والأخرى مسيحية .

كانت جميع الطوائف المسيحية في النصف الشرقي من الأناضول موجودة في ماردين بعد أحداث 1914- 1918 التي سادت ذلك القسم من تركيا . وكان السريان الارثودكس أهم الفرق المسيحية في المدينة فقد حلوا محل الأرمن . وكان لـ " رعيتهم الكبيرة " في الريف المجاور ، في الستينات من هذا العصر ، كنائسها الخاصة وقسانها .

يبدو للوهلة الأولى أن الأوضاع قد عادت إلى وضعها الطبيعي الذي كان سائدا قبل الحرب العالمية الأولى . فلقد فتحت إرسالية تركيا الشرقية التابعة للهيئة الأميركية مدارسها في ماردين في أواخر سنة 1924 . وصرح المرسلون الأمريكان خلال القلاقل الكردية في أواخر العشرينات وبداية الثلاثينات أن المسؤولين الأتراك في المدينة كانوا ودودين جدا وقدموا مراكز للإرسالية مع حراسة خاصة .

وبالرغم من أن ماردين كانت ما تزال خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية مدينة تتكلم اللغة العربية إلا أن جميع سكانها كانوا يتكلمون اللغة التركية أيضا كما كان قسم من الخدمات الدينية التي ما زالت في العربية عند السريان الارثودكس كالقداس وقراءة الأناجيل قد تم نقله خلال الستينات إلى اللغة التركية . حتى ذلك الحين كانت جميع الكتب الخاصة بالطقوس الدينية مكتوبة إما باللغة السريانية أو العربية . وكان للمدينة مطرانا مسؤولا عن جميع السريان الأرثوذكس المسيحيين في تركيا حتى وفاته في أواخر الستينات . وأصبحت ماردين بعد ذلك تابعة لسلطة مطرانية منطقة الجزيرة في سوريا .

أما خارج نطاق مناطق طور عابدين وماردين فكانت استنبول وضواحيها مركز تجمع السريان الارثودكس ففي استنبول بنت الطائفة المؤلفة من حوالي سبعة آلاف نسمة سنة 1963 مجمعا يضم مدرسة وكنيسة أطلقت عليه اسم " كنيسة الوالدة مريم للسريان القديم . "

وكأي مكان آخر في الشرق الأوسط حصل السكان المسيحيون في تركيا على بعض الطمأنينة والراحة لاسيما في المدن الكبيرة المتعددة الأجناس ووجدوا فيها فرص اقتصادية افضل بالإضافة إلى أن العلاقات بين الأفراد أصبحت اكثر ودية عما مضى . ولكن مستقبل الأقليات المسيحية القليلة في تركيا يبدو غامضا بعكس الوجود المسيحي في العالم العربي فهو أقوى فالمسيحيون ( الأقباط في مصر ، واليونان الأرثوذكس في سوريا هم سكان تلك الدول الأصليين ) ربطوا مصيرهم مع العرب وتعاطفوا كجماعة مع المطامع الوطنية للمواطنين المسلمين لذلك تسببت التجربة التركية باغتراب المسيحيين وأصبح مستقبل طور عابدين غير معروفا . يقول هورنر أن لا مستقبل لهم هناك وهذا ما يدفعهم باستمرار للهجرة عن طور عابدين إلى استنبول وسورية ولبنان والبعض إلى أوريا⟨؟⟩ واستراليا وأمريكا .

في العدد القادم : السريان في سوريا

صورة الصفحة — السريان في طور عابدين ( تركيا ) ٢

اضغط على الصورة لفتحها بالحجم الكامل

→ العدد 599: السريان في طور عابدين ( تركيا ) ١
العدد 601: سوريا والسريان ١ ←