فهرس مقالات صوت العرب — Arab Voice Index
العدد 599 — ١٩ تموز ٢٠٠٨

السريان في طور عابدين ( تركيا ) ١

The Syriacs of Tur Abdin (Turkey), Part 1
الدكتور جان جوزيف
Arab Voice * July 19th 2008 * Vol.(15) * Issue# 599 — صفحة 29
ترجمة / حنا عيسى توما / المؤسسة الأمريكية للدراسات السريانية — www.syriacstudies.com ** e-mail : hannaissa@gmail.com
The first part of a study by Dr. John Joseph, translated by Hanna Issa Touma, on the Syriac Christians of Tur Abdin, the mountainous heartland in southeastern Turkey. After describing the region's Aramean origins and the legend behind its name, it recounts the turmoil after World War I: Armenian and Kurdish national ambitions, Kemalist resistance, and the Christian minorities caught in between.
نصّ منسوخ حرفياً عن صورة الجريدة كما طُبع. الكلمات المعلَّمة بـ ⟨؟⟩ غير واضحة في الأصل المطبوع.Transcribed verbatim from the newspaper scan. Words marked ⟨؟⟩ are unclear in the original print.

طور عبدين ، منطقة ( جبلية ) تقع في ما بين النهرين في الشمال الشرقي لمدينة ماردين ، متوسط الارتفاع ، كثير القرى والدساكر ، ويعرف الجانب المطل على المنطقة المعروفة قديما بـ " باعربايا " أو المنطقة العربية باسم " جبل ازلا " وقد سماه اليونان باسم " ماسيوس " . ويتوسط جبل طور عبدين مدن ، جزيرة ابن عمر ، وماردين ونصيبين ، وآمد ( ديار بكر ) وسعرت . ان سكان هذا الجبل الأصليين هم من الآراميين ، الذين كانوا يسكنون جميع جبل " ماسيوس " المعروف اليوم بجبل " قره جه طاغ " وقد حاربهم شلمناصر الأول ملك اثور ( بين 1276-1256 ق.م ) واحتل مدنهم وهدم حصونهم وكانوا حينئذ قبائل وافخاذا كثيرة ضارية بين أنهار دجلة والبليخ والفرات . ويذكر في أخبار الملوك الآشوريين الواردة في الكتابات المسمارية المكتشفة في أنقاض مدنهم ، ان ملك اشور المدعو هود ناواري ( نيراري ) الثاني ، والذي ملك سنة 911 ومات سنة 889 ق.م ابن الملك اشوردان ( 922-910 ق.م ) حارب آراميي طور عبدين مرات كثيرة . ان هذه المنطقة جميلة جدا . وهواؤها نقي صحي . الا ان ماءها قليل ما خلا القسم القريب من نهر دجلة والذي بنيت فيه مدينة دارا وقرية كفرجوسى ، أما الباقي فانه يعتمد على مياه الأمطار التي يحفظها السكان في جيوب ضيقة . اما كيفية تسميته بطور عبدين ، فقد ورد في قصة الكفاني⟨؟⟩ ما يأتي " : عندما جاء الفرس ، وطردوا اليونانيين من دارا ونصيبين وأطرافهما ، واستولوا على شرقي الفرات ، تبدد المسيحيون الساكنون في منطقة طور عبدين ( طور ابدين ) والتحقوا بالرومان الذين اسكنوهم في ناحية تعرف باسم ( دار الروم ) ، وبعدها هبط ملوك اليونان هذه المنطقة لينتقموا من الفرس وآثور ونينوى ويانوهدرا⟨؟⟩ ( منطقة زاخو ) وباجرمي ( منطقة اربيل ) وبيت سلوخ ( منطقة كركوك ) وغيرها ، وسبوا خلقا كثيرا من المجوس والوثنيين وأسكنوهم في هذه المنطقة اعتبارا من جبل ازلا الى ارزون ، ومن قرية فنك الى حصن الصور وماردين ، وسمي هذا الجبل بجبل العبيد ، لانهم جيء بهم للعبودية والرق ، فاتخذ الجبل اسمه من أيام الملك يوسطنيان من اسم ( العبودية ) وسمي بـ ( جبل ابدين ) او ( جبل عبدين ) ( طور عبدين ) "

كانت الأوضاع الداخلية في الامبراطورية العثمانية نهاية الحرب العالمية الاولى ( سنة 1918 ) مضطربة جدا . فقد كانت أسعار المواد الغذائية ومعظم السلع الاستهلاكية باهظة جدا . ففي استنبول ، على سبيل المثال ، كان السكر كغيره من المواد الكمالية يباع بالمفرق بـ 300 قرش بدلا من 25 قرش . " كل يفكر بنفسه " ; فقد صرحت مجلة التايمز اللندنية " أن أخطر مشكلة واجهتها البلاد نجمت عن مئات الألوف من قطاع الطرق بعضهم منظمين سياسيا والبعض الآخر من العصابات الغير منظمة ومن اللصوص والهاربين من الخدمة الإلزامية . "

كانت استنبول مدينة محتلة والسلطان فيها مقيد الصلاحيات والمفاوضات التي أجرتها حكومته ووقعت عليها في معاهدة سيفر كرست حق القوى الغربية في التدخل في القضايا الداخلية لتركيا ومقاطعاتها السابقة . ولكن الغرب استخدم الكثير من الأقليات في الإمبراطورية كذريعة للتدخل السياسي . ففي نهاية الحرب العالمية الأولى استخدم الأرمن والأكراد والموارنة واليهود والآشوريين ، تماما كما استغل العرب في بدايتها .

أن فكرة ارمينا مستقلة ، وخطة حكم ذاتي للأكراد في المناطق التي هم الأغلبية فيها - تؤدي فيما بعد إلى الاستقلال إذا شاء الأكراد ، وقيام وطن قومي لليهود في فلسطين ، وسيطرة الموارنة على لبنان الكبير ، وامتيازات خاصة للآشوريين في شمال العراق أدت إلى بعث الآمال القومية عند الأقليات والمطالبة فيها ، الأمر الذي أدى إلى توتر في العلاقات بين الأقلية والأكثرية ، وإلى عداء ما زال الشرق الأوسط يعاني منه

ومع انهيار روسيا القيصرية وجد الأرمن أنفسهم في شرقي الأناضول في ظل ظروف خطرة وبدأ المبعدون منهم بالعودة إلى بيوتهم مباشرة بعد أن وقعت تركيا معاهدة الهدنة . وفي أيار سنة 1918 انتهز القوميون الأرمن قيام الثورة الروسية من جهة وانتصار جيوش الحلفاء من جهة أخرى فأعلنوا قيام الجمهورية الأرمنية في القوقاز . وأدى استسلام الإمبراطورية العثمانية لقوات الحلفاء بعد خمسة اشهر إلى انسحاب جيوشها من ترانسكاسيا ومن شمال شرقي إيران خلال 1919 ما أدى إلى تقلص الأخطار التي كانت تواجه الجمهورية الأرمنية الفتية . وبمساعدة القوات الملكية البريطانية بسطت الجمهورية الأرمنية سيطرتها الكاملة على جميع ولاية كارس التي عاد اليها أكثر من 50.000 لاجئ أرمني كانوا قد تركوا هذه الولاية عندما تخلى الروس عنها ضمن أوامر مشددة لا تسمح لهم بدخول أرمينيا التركية . ولكن مقاومة الإغراء بالتقدم نحو أرمينيا التركية كانت صعبة ، فباشر الأرمن حالا بتوسيع نطاق حدود الجمهورية لتشمل الأناضول غربا مندفعين بحلم العودة من جديد إلى فلاحة تراب فان وبدليس وارضروم و ديار بكر - وما وراءها من أراض ، والذي شجعهم أكثر من ذلك هو اعتراف معاهدة سيفر رسميا باستقلال الأرمن في تركيا الشرقية .

في الوقت الذي كان الأرمن يحاولون السيطرة على تركيا الشرقية نزلت القوات اليونانية تحت حماية الحلفاء مدينة ازمير وتابعت لتضم غربي الأناضول متخيلة أنها ستعيد بناء الإمبراطورية البيزنطية في حدودها القديمة بحيث تكون القسطنطينية عاصمتها و آيا صوفيا كاتدرائيتها .

وفي صيف سنة 1920 وصلت القوات الفرنسية جنوب غرب تركيا وتطوع الأرمن اليافعين في خدمة الجيش الفرنسي تحت إمرة قادة فرنسيين ، وصرحت البعثات الأرمنية أن الطوائف المسيحية في النصف الغربي من تركيا قد أعلنت عن قيام " دولة كيليكيا المسيحية المستقلة . " وعندما شعر الأتراك بالهزيمة والإهانة قاموا بردة فعل معاكسة ، فبعد إنتهاء الحرب أدت عودة الأرمن إلى الأراضي التركية إلى نشوء حركة تركية تبغي منعهم من الاستيطان وحراثة حقولهم ، وقالت التايمز أن الأتراك أرسلوا عصابات على نمط قطاع الطرق من قبل وجهاء محليين للقيام بذلك وأدى ذلك إلى قيام حرب بكل " ما يلازم الحرب من بشاعة " . وعندما احتلت ازمير قامت هذه الحركة في نشر أخبار ذبح المسلمين بواسطة اليونان وكيف تعرضت قرى المسلمين الأتراك العزل من السلاح للنهب والسلب وكيف أجبر سكانها على الجوع .

بدأ مصطفى كمال في ربيع سنة 1919 يجمع القوات الوطنية لينقذ تركيا ذاتها من التمزق . وليس ضروري الانشغال بتفاصيل السنوات القليلة التالية إلا فيما يتعلق بالنصف الثاني من سنة 1920 عندما أزيل خطر اليونان واستطاعت القوات التركية السيطرة على القسم الأكبر من الرقعة التي طالبت بها الجمهورية الأرمنية بما في ذلك كارس وارداهان . و على جبهة كيليكيا نقلت الإرسالية الأميركية أخبار الحرائق وإراقة الدماء . وفي مرعش أجبرت القوات الفرنسية التي ساعدها الأرمن بعد ثلاثة أسابيع من القتال على الانسحاب . ووقعت القوات الأرمنية في أيدي الأتراك الذين " كانوا آنذاك مشحونين بالكره الشديد نحوهم " . وفي بداية سنة 1922 وقعت القوات الفرنسية معاهدة هدنة مع الأتراك حيث أعلنت فيها انسحاب الفرنسيين من كيليكيا مقابل اعتراف حكومة مصطفى كمال بالحكم الفرنسي في سوريا . أما الأرمن ، كمواطنين أتراك ، فلقد كان عليهم أن يسلموا أنفسهم للسلطة التركية ويقبلوا بالضمانات التركية لحمايتهم . اما الذين فضلوا مغادرة الأناضول إلى سوريا المحتلة فقد سمحت لهم فرنسا بذلك . لقد كتب الدكتور جان ميريل - رئيس كلية تركيا المركزية في عينتاب - يقول " أما خيبة الأرمن فقد فاقت تلك التي عانوها أثناء قوافل المذابح والسوقيات ، لأنها أضافت إلى مرارة الحدث إدراكهم الخيانة التي تعرضوا لها . "

في سنة 1922 منح الأتراك " ترخيص إلى كل المسيحيين " بمغادرة تركيا ، فشكل المسيحيون مرة أخرى أسرابا من اللاجئين ترجف من الخوف والذعر ، واصبح السريان والكلدان بالإضافة إلى الأرمن ، ضحايا الانتقام التركي . لقد هاجرت سنة 1921 و 1922 أعداد كبيرة من الجاليتين ، الغير أرمن ، فوضعت بذلك نهاية لوجودها الذي دام قرونا طويلة في أضنة وأورفا خاصة . كانت الأكثرية الساحقة منهم ضحايا عاجزة أمام القوى التي ولدتها الأحداث والذين كانوا أبرياء من كل الطموحات السياسية . ولكن ، كغيرهم من الأقليات ، بعد شعورهم بالحريات الجديدة المعلن عنها في تصريحات الرئيس الأمريكي ، طالب السريان الأرثوذكس حضور مؤتمر السلام في باريس ، وانضم بعض قادتهم ، خاصة الذين هاجروا إلى الولايات المتحدة الأمريكية ، إلى ممثلي " المنظمة الوطنية للآشوريين في أميركا " وما لها من مطالب طموحة . وانضم إلى الوفد في باريس بطريرك السريان الأرثوذكس ، اغناطيوس أفرام الأول برصوم ، الذي كان آنذاك مطران سوريا ، حيث خاب ظنه بما شاهد هناك . وفي إحدى جلسات مؤتمر السلام بدأ البطريرك يدافع عن حقوق العرب بدلا من الدفاع عن قضية شعبه . صفقت له الوفود العربية وسمي من حينها " مطران العرب " و " قس الزمان . "

ظلت ، خارج كيليكيا ، أعداد ضخمة من الكلدان والسريان الأرثوذكس والسريان الكاثوليك في قراها ومدنها بعد ترحيل الأرمن ، ومع انهم وقفوا إلى جانب الأتراك حين وقعت معاهدة الهدنة . إلا انهم كانوا غالبا موضع انتقام الأتراك فلقد تعرضوا للمذابح والترحيل ثانية في ثورة الأكراد عام 1925 رغم أن ذلك جاء بعد فترة طويلة من تسوية الأتراك لخلافاتهم مع المواطنين الغير مسلمين.

البقية في العدد القادم

صورة الصفحة — السريان في طور عابدين ( تركيا ) ١

اضغط على الصورة لفتحها بالحجم الكامل

→ العدد 598: قصة أحيقار
العدد 600: السريان في طور عابدين ( تركيا ) ٢ ←